الأعرج
الأديب / نايف ثامر الكعبي / يكتب
الأعرج
نايف ثامر الكعبي
لم ينم الشرطي نشمي نوح ليلته وظل مورقا.يشعر بالظلم والمرارة.لقد غيبه مفوض الإدارة عن عمله هذا اليوم لانتهاء أجازته المرضية.وأرسل له تبليغا شفهيا بواسطة زميله الشرطي مسعود أن يباشر عمله في الدورية حتى لو كان بقدم واحدة.بالأمس كلف زميله أن يأتي له بعيادة من المديرية،ليراجع المستشفى لكن المفوض رفض.أبلغ الشرطي أن الطبيب قد كتب في العيادة السابقة :
- أجري اللازم .لقد أكتسب الشفاء التام لا يحتاج إلى أجازة وإنسانية مني ساعدته!!
دافع زميله عنه وذكرهم بتضحيته الكبيرة لكن المفوض غضب ونسي نفسه
- الحمار يموت..
- قاطعه الشرطي مستاء:- لا داعي للتجريح.نحن نموت يوميا في الشوارع والمفخخات تحت أقدامنا..وأنتم داخل القلاع الحصينة وتستهينون بتضحياتنا!!
صعد نشمي زفرة حرى من صدره المنقبض.تخيل نفسه يطارد اللصوص والإرهابيين والقتلة بقدم واحدة وهو يكزل بعكازته.ضحك بمرارة.هز رأسه بأسف.سرحت عيناه أنتابه الشرود وأنثا لت على ذهنه ذكرى ذلك المشهد المرعب: جموع من الباعة..أطفال ،نساء.متبضعات.رجال يركضون مرعوبين: عبوة ناسفة في سوق.. الأولى أهربوا..أهربوا
لم تكن سيارة النجدة بعيدة عن الحادث إذ أن أفراد المفرزة سمعوا اللغط والأستغاثة ورأوا الجموع تركض مرعوبين
سأل الضابط أحد الهاربين:- ما بكم؟
أجابه وهو يركض مرتعدا:- سيدي عبوة ..عبوة .داخل سوق الأولى وغير بعيدة ...هناأآأك (أشار بيده )
تبادلنا نظرات..حائرة..مرعوبة،متسائلة: العمل؟
قال الضابط :- نتصل بشعبة المتفجرات
قلت:- سيدي.مكافحة المتفجرات تتأخر والعبوة قد تنفجر بين لحظة أو أخرى.
قرأت في عيني الضابط حيرة .تخيلت تللك العبوة الجهنمية تنفجر فتتطاير أجساد الباعة والمشترين الفقراء وتتناثر فملأني الرعب فاندفعت راكضا نحوها .تفاجأ الضابط.صاح خلفي بصوت مرتعش :- أرجع..أرجع ولك نشمي ..أرجع
اندفعت بحماسة على مسؤوليتي.سألت أحد الباعة الهاربين عن المكان بدقة فأشار إلى كومة أزبالة.بلغت المكان وأنا الهث.بلعت ريقي الجاف.أكاد أسمع دقات قلبي.بحذر رفعت القش وأحتضنتها وهربت بها وعدوت بكل قوتي أفتش عن مكان بعيد من المواطنين الذين يهربون مذعورين. أبصرت ساحة كرة قدم مهجورة واتجهت نحوها.عثرت فكبوت على وجهي.ارتجت الأرض تحتي وارتفعت عاليا وارتطمت بالأرض ولم أشعر بشيء أذ أغمي علي وبعد ساعات وجدت نفسي في المستشفى غارقا بدمائي وأتلوى من الألم وقدمي مقطوعة من فخذي وزملائي في المفرزة يمسحون العرق والتراب من وجهي الشاحب.أدخلت صالة العمليات
- واجه المدير؟
سمع زميله .فاق من خواطره.انقبضت نفسه.زفر بقهر وألم.نبض صوت في داخله :هل يعبر المفوض عن رأي المدير..لو أطلع على حالي البائس ,ربما ينصفني..وإذا طلب منك أن تحيل نفسك إلى التقاعد.أبوسعك أن تعيش وتنفق على أمك العجوز وزوجتك وأطفالك براتب التقاعد البالغ120) ألف دينار.عندها حتما ستشحذ وسيراك الكثير ممن عرفوا بتضحيتك... هذا الشرطي البطل أنقذ الكثير من مواطني سوق الأولى من عبوة ناسفة.حملها بعيدا عن السوق وانفجرت وقطعت قدمه..خطيه والله خطية!!
- أطلب مواجهته.أكيد يعرف بالحادث ربما يكافئك!!
صحا من خواطره على كلام زميله.لقد خففت عنه ما يجد من قلق وهواجس.في صباح اليوم الثاني مشى يكزل في طريقه الى المديرية وصوت عكازه يصفع بلاط المديرية اللامع ورغم الهموم تبدو عليه الصلابة والجلد .أقترب من غرفة المدير بطوله الفارع.اللعنة يشعر بقدمه السليمة تؤلمه والعكاز حز في أبطه.لم يتعود أن يمشي قافزا مسافة طويلة (من الثورة إلى الكرادة). خطرت على باله فكرة : لو أصروا كيف أقوم بعمل الدورية ساعات الواجب بقدم واحدة!!؟
أستاء عض على شفته.تنهد في حزن.اتكأ على الجدار اللامع..أختلس النظر إلى بابه.كان مترددا يفتقد الجرأة على الدخول. رأى نفسه قد دخل عليه فهب له المدير وعانقه:- أهلا بالبطل..لقد رفعت رؤوسنا. أصدرت أمرا بترفيعك إلى مفوض وتكريمك ..نحن لن ننسى أبطالنا الشجعان!!
- المدير؟
جفل من سؤال الشرطي الواقف في باب المدير نظر له متوسلا : نعم
رمق قدمه المقطوعة متأثرا:- حادث؟
هز رأسه مجيبا.
- سأجلب القهوة له..أدخل عليه ,قبل أن يأتي ضيف ويشغله عنك.
تمتم شاكرا.طرق الباب بأدب.سمع صوتا دافئا .حنونا :- أدخل
دخل يثب.وقف قبالة المدير.أستند على عكازه ورفع يده تحية.تعلقت عين المدير به.لكن منظره لم يلفت نظره:- نعم..ابني؟
كان خائفا مضطربا.أستجمع شتات شجاعته :- سيدي أنا الشرطي نشمي..نشمي نوح ..أنقذت المواطنين من عبوة ناسفة في سوق الثورة الشعبي وانفجرت علي وقطعت رجلي.. أنحنى يريه قدمه المقطوعة واصل كلامه..غيبني المفوض في الإدارة .يأمرني أن أباشر في الدورية وأنا كما ترى!!
- ابني ..العمليات الإرهابية المجرمة موجهة نحوكم .أنتم وإخوانكم العسكريون الشجعان.. مثلك كثيرون ولم ينقطعوا عن واجباتهم.لكن عندما نجد البديل نغيرك!!
بهته جواب المدير(دفعه) ظل واقفا ولما رأى المدير حيرته .سأله:
- نحيلك.. تقاعد؟
- ...يا كذاب..تحيلني بذلك الراتب البائس. تعيش أنت والمدام وأطفالك المدللين ب(120ألف دينار؟).تأخذ في الشهر كونية وعينك على راتب الشرطي!!
انتبه لنفسه وقف مثل الصنم.خرج ونسي أن يرفع يده.يشعر بالمرارة مديوفة في فمه.يحس بتضعضع جسمه.مشى قليلا وجلس بعيدا عن المراجعين.يمضغ خيبته.مر الشرطي عليه يحمل الفناجين الفارغة وسأله:
-هه.. بشرْ؟
رفع عيني الحزينتين نحو الشرطي وهز رأسه بيأس.
سأله الشرطي :- واسطة؟
رفع نشمي أصبعه نحو السماء وهمس بصوت مقهور:- ما عندي غيره!!
- نصيحة
بلهفة قال له متوسلا :- بشاربك!!
- يشهد الله أنني تأثرت لمأساتك..أعرف له واسطة
- تدخل الجنة من غير عبادة..أنا صاحب أسرة كبيرة وعيشتهم علي
تلفت الشرطي بحذر وأخرج دولارا:- هذا يفتح الباب له!!
لمعت عيناه الواسعتان وأستيقظ الأمل في ملامحه السمر ولما وجده يتطلع أليه :
- يرفع غيابك وينقلك قرب بيتك في الاستعلامات.أو بعمل كتابي ومن الغد يصل كتابك
أفتر ثغره جحظت عيناه.قال بصوت خفيض فيه رعشة الفرح:
- تصدق أم تكذب؟..لكن عقارب الشك دبت في عينيه.لمح ذلك فطمأنه :
- بهذا الشارب!!
- كم؟
- من جانبك عشر أوراق..له فقط.ليس لي شيء..لقد أشفقت عليك!!
قال في نفسه: سأوافق.لا تحتاج إلى تفكير .. تصرف ..هذه خبزة أطفالك.. بع جزءا من متاع البيت أو أتقرض من أصدقائك.. الكثير منهم يقدرون تضحيتك
- أين..الموعد ؟
- السوق الذي حدث فيه الانفجار قربه ساحة للكرة مهجورة..الموعد فيها
هز رأسه موافقا. سمع نداء عليه فأجاب.نهض نشمي.أستند على عكازه وخرج يعرج.وقف خارج الدائرة.يستعرض في ذهنه وجوه أصدقائه الخلص فأطلت في داخل رأسه الكثير من الرؤوس الباسمة التي لا تخيب رجاه

تعليقات
إرسال تعليق