في انتظار الرسالة
قصة ~ في انتظار الرسالة
الكاتب ~ إدريس أبو رزق ~ يكتب...
،««««««««««««««««««««««
في انتظار الرسالة
كان "سليم" يقف عند صندوق البريد كل يوم تقريبًا.
رجل تجاوز السبعين، يرتدي قبعة رمادية ومعطفًا قديمًا باهت اللون، وحذاءً يحمل آثار سنوات طويلة من السير. كان الجيران يلاحظونه دائمًا في نفس التوقيت، قبل غروب الشمس بقليل، يخرج من بيته بخطوات بطيئة لكنه ثابتة، يتجه نحو صندوق البريد، يفتحه بيد مرتجفة، ثم ينظر داخله. كان المشهد ينتهي دائمًا بنفس الطريقة؛ صندوق فارغ، ورأس مطأطئ يعود أدراجه إلى المنزل.
لم يحاول أحد أن يسأله عن تلك الرسالة التي ينتظرها. الجيران اعتقدوا أن الرجل فقد عقله بسبب الوحدة، وأنه يمارس هذا الطقس دون سبب. لكن الحقيقة كانت أكثر تعقيدًا.
في إحدى الليالي، جلس "سليم" على كرسيه بجانب نافذته، ينظر إلى الشارع الذي بات صامتًا. بين يديه كان يحمل صندوقًا صغيرًا من الخشب، فتحه بحذر، وأخرج منه رسائل قديمة، كل واحدة منها تحمل تاريخًا مختلفًا. كانت الرسائل مكتوبة بخط يد أنيق، ومعظمها يحمل اسم المرسل: "ندى".
ندى كانت حب حياته. المرأة التي أحبها منذ كان شابًا في العشرينيات من عمره، والتي غادرت دون وداع، تاركة وراءها هذه الرسائل فقط. الرسالة الأخيرة كانت مختلفة؛ لم تكن وداعًا، بل وعدًا باللقاء. قالت فيها إنها ستعود بعد فترة قصيرة، لكنها لم تعد أبدًا.
مرّت السنوات، وانتقل "سليم" من مرحلة الإنكار إلى الحزن، ثم إلى القبول البطيء، لكنه لم يستطع التخلي عن هذا الوعد. شيء بداخله كان يقول إن ندى سترسل له رسالة أخرى، رسالة تشرح ما حدث، رسالة تعيده للحياة، أو على الأقل تُنهي هذا الانتظار.
ذات يوم، وبينما كان يفتح صندوق البريد كعادته، وجد شيئًا غير متوقع: مغلف أصفر صغير. بداخله رسالة، لكن دون توقيع. الرسالة لم تكن من ندى، بل من شخص غريب يدعوه لحضور معرض فني في المدينة. كاد يتجاهلها، لكنه شعر بفضول غريب دفعه للحضور.
دخل المعرض بحذر، وكانت قاعة العرض تعج بالزوار. لوحات متنوعة علّقت على الجدران، لكنه توقف عند لوحة بعينها، لوحة رسمت بخطوط ناعمة وواقعية. كانت صورة لرجل يقف أمام صندوق بريد. الرجل كان يشبهه تمامًا، حتى في ملامحه وحركاته. أسفل اللوحة كان هناك اسم: "في انتظار الرسالة - بريشة ندى".
تجمد مكانه، شعر أن الأرض تدور من تحته. لم تكن اللوحة مجرد عمل فني، كانت انعكاسًا لحياته، لانتظاره الذي استمر لعقود. تساءل: هل يمكن أن تكون ندى ما زالت حية؟ هل كانت تراقبه طوال تلك السنين؟
اقترب منه شاب يعمل في المعرض وقال:
– هل أعجبتك اللوحة؟ الفنانة أحبت أن تروي من خلالها قصة حقيقية لرجل عاشت سنوات طويلة تتذكره.
تمالك سليم نفسه بصعوبة وسأل:
– وأين هي الآن؟
ابتسم الشاب بحزن وقال:
– للأسف، توفيت قبل شهر. كانت تعاني من مرض خطير ولم تخبر أحدًا.
أخرج الشاب مغلفًا صغيرًا وسلّمه لسليم:
– كانت قد طلبت مني تسليم هذا للرجل الذي يتعرف على قصته في اللوحة.
فتح المغلف بأصابع مرتعشة. كانت رسالة بخط يدها. قالت فيها:
"سليم، كنت أراك من بعيد وأخشى الاقتراب. كنت أعلم أنني أجرحتك برحيلي، لكنني لم أكن أملك الشجاعة للعودة. أردت أن تعرف أنني لم أنسك يومًا. سامحني. ووداعًا."
لم يشعر سليم أن قلبه انكسر هذه المرة، بل شعر كأن شيئًا ثقيلًا انزاح عن صدره. نظر إلى الرسالة طويلًا، وكأن كلماتها أضاءت زاوية مظلمة في داخله ظل يعجز عن الوصول إليها. أمسك الرسالة بحذر، كما لو كانت شيئًا هشًا يخشى عليه من التفتت، ثم رفع رأسه نحو اللوحة مجددًا.
رأى نفسه في الرسم، رجلًا كان يقف أمام صندوق بريد مليء بالآمال، لكنه الآن يدرك أن الرسالة التي كان ينتظرها لم تكن سوى لحظة سلام مع ماضيه. ابتسم بصمت، ابتسامة مليئة بالحنين والامتنان، كما لو كان يودّع ندى أخيرًا بطريقة لم يتخيلها من قبل.
خرج من المعرض بخطوات خفيفة، تاركًا خلفه ثقل الانتظار الذي لازمه طوال حياته. مرّ بجانب صندوق بريد في الشارع، لكنه لم يتوقف عنده، بل أكمل سيره. لأول مرة شعر أن الطريق إلى منزله كان مضاءً، وكأن الحياة أعادت له شيئًا كان يظنه مفقودًا: القدرة على المضي قدمًا.
من مجموعتي القصصية " أنفاس الوداع " الكاتب إدريس ابورزق

تعليقات
إرسال تعليق