،،،،،متسول غريب ،،،،،،،
الأديب / خليل الشلتوني / يكتب
،،،،،متسول غريب ،،،،،،،
إنتهت صلاة المغرب في المسجد الكبير في وسط البلد .
يجلس ابو محمود في مكانه مطأطأ الرأس يلهج لسانه بالذكر والتسبيح والتحميد والتهليل .
خرج معظم المصلين وها هو ابو محمود ينهض هاماً بالخروج .
لمحه من بعيد ، شاب أسود اللون يقف أمام مدخل المسجد ، لا تبدو عليه ملامح المتسول ولكنه يقف منكسر النفس وكأنه متسول .
ابو محمود يتقدم نحو الباب يحمل بيده حذاءه ويراقب الشاب بطرف خفي وقد اختلطت الأمور والأفكار في عقله ، هندامه جميل وصحته جيده وفي نفس الوقت يقف وقفة استعطاف وحاجه .
لبس أبو محمد حذاءه ثم تقدم نحو الشاب وخاطبه سائلا
_ما بك ؟ لماذا تقف هنا؟
نظر الشاب إليه وعلامات الحزن بادية في محياه ثم قال بلغة انجليزيه صحيحة ،
_يا سيدي أنا لا أتكلم اللغة العربية .
كانت الكلمات صادمة،
ضاعت الكلمات من عقل ابو محمود للحظات ثم استجمع شتات فكره وقال
_من أي البلاد أنت يا ولدي ؟ وما هي قصتك ؟
_أنا من أفريقيا ، أتيت إلى الأردن منذ أربعة أيام ، ولكني فقدت محفظتي ولم يتبقي معي شيئ ، صمت الشاب لحظه ، إبتلع ريقه ومسح دمعه صغيره أبت إلا أن تفضح ألمه وإنكساره ثم تابع
_ أنا أنزل في فندق ليس ببعيد من هنا ،
صاحب الفندق يعرف قصتي ولم يأخذ مني إجرة الغرفه وأمر لي بالطعام والشراب مجاناً إلى حين عودتي .
كان ابو محمود يستمع متأثراً وفي نفس الوقت يخالطه شعور بعدم التصديق لكثرة ما سمع عن فنون التسول ،
أمسك ابو محمود بيد الشاب بحنان وقال له
_ والآن ماذا تنوي أن تفعل .
_كما ترى يا سيدي ، إريد أن أجمع ثمن تذكره الى القاهره وهناك يوجد سفاره لبلادي والأمر بعد ذلك سهل .
لا زالت الأفكار في عقل أبو محمود متناقضة ، بين مصدق ومتوجس ، هل أتركه وأمضي إلى عملي ، ولكن ربما يكون صادق ، وبالتالي هذا الشاب تجوز عليه الزكاه ويجب مساعدته .
مرة أخرى أمسك يده بحنان قائلا ً
تعال معي ،ثم سأله
_ هل إذا إشتريت لك تذكرة إلى القاهره مشكلتك تحل .
_نعم ، نعم يا سيدي ، أجاب الشاب بلهفه
وصل الإثنان إلى مكتب الطيران ،
تقدم أبو محمود محيياً السيد سليم مدير المكتب ثم تابع
أخي سليم ، إريد تذكرة سفر لهذا الشاب إلى القاهره غداً إن أمكن ،
_أهلاً وسهلاً أبو محمود تفضل إسترح ، سأعمل كل جهدي لكن ربما يزيد السعر قليلا ،
_لا بأس توكل على الله
تناول الموظف جواز سفر الشاب وأخذ يبحث في الكمبيوتر عن أقرب حجز للشاب الاسمر،
أبو محمود يجلس ينتظر وما زالت الأفكار تتعارك في عقله بين مصدق ومشكك ، ينظر إلى الشاب بطرف عينه ماذا لو كان غير صادق ولكنه سرعان ما يهز رأسه ،
لا لا إنه صادق ، ثم يعود يحدث نفسه ، إذا كان غير صادق ، بيكون ممثل بارع ،ثم يعود يهز رأسه قائلا ، أنا سأعمل ما يمليه علي ديني
تفضل يا حج أبو محمود هذه تذكرة السفر ،
الموعد غداً الساعه الواحده والنصف بعد الظهر .
تناول الشاب التذكره بلهفة شديده وإنحنى يريد تقبيل يد أبو محمود .
سحب أبو محمود يده بسرعة بينما كانت حبات من الدمع الساخن تتساقط حاره من عين الشاب تطفئ قليلا ً من حزنه الشديد.
إنطلق الشاب ولسانه لا يكف عن الدعاء .
إنقضى الوقت سريعا وما زالت صورة الشاب لا تفارق مخيلة أبو محمود وما زالت الأفكار تتعارك في عقله بين مصدق ومتوجس ومشكك،
إنتهت صلاة المغرب فتوجه أبو محمود إلى مكتب الطيران
أخي سليم ، هل من الممكن أن نتأكد إذا كان الشاب قد غادر أم لا ؟
علت وجه الموظف سليم إبتسامه خفيفه
_ يبدو أنك ما زلت متشككاً
_لا أبدا ولكن ليطمئن قلبي
_ نعم ممكن يا حج ، لحظه واحده بعد إذنك .
آنشغل الموظف لحظات في شاشة الكمبيوتر ثم عاد لينظر إلى أبو محمود وقد زادت ابتسامته
_نعم يا حج لقد سافر
الحمد لله خرجت من أعماق ابو محمود وتنفس مرتاحا ً ،
نظر الموظف إلى أبو محمود قائلا ً
يا حج ، ما دمت أنك غير واثق من صدقه لماذا إشتريت له التذكرة
إعتدل الحاج في جلسته وقد علت وجهه علامات الارتياح
_ أخي سليم في مثل المواقف الحرص واجب
ولكن إذا استسلمنا لسوء الظن فلن نفعل الخير ابداً،
حسن الظن مقدم على سوء الظن في كثير من الأوقات،
خليل الشلتوني
الاردن

تعليقات
إرسال تعليق