كسرة خاطر






الأديب / ماجد بكار أبو إياس / يكتب

 كسرة خاطر


لأول مرة يعود فواز من سفره، ويمضي عليه يومان، دون أن تأتي أخته فائزة للسلام عليه والاطمئنان على سلامته وأخباره في غربته.

كان حدثًا غريبًا؛ فهو يعرف أن أخته حنونة وعطوفة، ولا تفوّت هذه المناسبة المهمة.

في صباح اليوم الثالث لقدومه استقلّ وزوجته السيارة إلى بيت أخته.

استقبلته فائزة بفتورٍ بادٍ، ورحبت بزوجته بترحيبٍ باردٍ.

سألها باستغراب: افتقدتك منذ ثلاثة أيام، يا حنونة؟!

- كان عليكَ أن تأتي أنت أولًا؛ فخاطري مكسور بوفاة أمي منذ شهور.

- رحمة الله عليها. معك حقّ. لكن أليست أمي أيضًا وخاطري مكسور مثلك؟! كما أنني قادم من سفر!

- صحيح، لكن عتبي عليكَ أكثر من ذلك!

- خيرًا؛ على أي شيء تعتبين؟!

- قبل سنتين توفي والد زوجتك هذه التي إلى جانبك، وأشارت إليها، فسرعان ما جئت وحضرت عزاءه؛ لكنك لم تكلّف نفسك عناء حضور عزاء أمك!

أطرق فواز إلى الأرض، وهو يمسح دمعة طفرت من عينيه. 

أرادت زوجته الكلام لكنه أشار إليها، فسكتت.

- فقال: قبل سنتين، جاءنا خبر وفاة والد زوجتي، فتوجهت إلى مديري لأستأذنه بإيصال زوجتي إلى المطار.

استغرب مديري أبو يعرب توقيت سفرها في غير وقت الإجازات. فأخبرته بوفاة والدها.

وعلى الفور نادى على مدير مكتبه:

- يا حسان، خذ جواز السفر الخاص بفواز، واستخرج له تأشيرة ذهاب وعودة لمدة أسبوعين، وأوصله مع زوجته إلى المطار.

كان دمثًا جدًّا وإنسانًا رائعًا، أحسَّ بمشاعر الحزن لدينا، وقدّم تعازيه لي ولزوجتي.

وخلال ساعتين كان حسان ينهي كل الإجراءات، وأوصلنا إلى المطار، فحضرنا العزاء!

قالت فائزة باستهجان: ولماذا لم تفعل ذلك حين توفيت أمّنا؟!

- تابع حديثه بحسرة: حين أبلغت بوفاة أمي، توجهت فورًا إلى مديري الجديد الدكتور ناصر. 

- السلام عليكم، دكتور!

- أهلًا يا فواز. تفضّل!

- جاءني خبر وفاة أمي صباح اليوم!

- نهض من وراء مكتبه العريض، واحتضنني معزّيًا: رحمة الله عليها!

ربنا يصبرك، ويعظّم أجرك، ويحسن عزاءكم بها!

شكرت له تعزيته، ثم قلت: 

- استأذنك في استخراج تأشيرة ذهاب وعودة لي لأحضر عزاء أمي!

- ردّ عليّ وهو يشبك أصابعه ويعود إلى كرسيه الوثير: هل دفنوها هناك أم ينتظرون حضورك؟!

- دفنت فجر اليوم، حسبما أوصت بألّا يؤخروها!

- ما دامت قد دفنت، رحمها الله، لمَ لا تفتح بيت عزاء هنا، تستقبل فيه المعزّين؟

- لكني أريد أن أشارك إخوتي وأخواتي المصيبة، وأكون إلى جانبهم.

- صدقني يا فواز، إنهم حين يرونك ستجدد أحزانهم.

بقينا أنا والمدير نتجادل لأكثر من نصف ساعة، حتى ثبّط عزيمتي على السفر. ثم قال: 

- أنت هنا في المؤسسة أساسيّ، ودورك محوري، لا يمكننا الاستغناء عنك، ولو لفترة بسيطة. ثم إنك قريبًا ستأخذ إجازتك الاعتيادية، وستكون هذه الفترة فرصة لك لتشتري هدايا لإخوتك وأخواتك، تنسيهم مصيبتهم في الوالدة، رحمها الله.

كنت أستمع إليه بامتعاضٍ، وأنا أقارن بينه وبين أبي يعرب، وأقارن بين الإدارة بالحبّ، والإدارة بالغصب.

نهضت فائزة واحتضنت أخاها، وهي تقول: 

- لقد كسر مديرك خاطري مرةً أخرى فوق موت أمي!


ماجد بكار أبو إياس

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

أنَّى لي بعِمَامةِ أبي

الحمل الوديع

أشواك للبيع