،،،،،،القيمة المعنوية،،،،،،
الأديب / خليل الشلتوني / يكتب
،،،،،،القيمة المعنوية،،،،،،
يجلس معتز حائراً متوتراً في مكتبه في عمان والمعد خصيصا ً لتجارة الأحذية والشنط النسائية .
البضاعة موجودة في المنطقة الحرة وأصحاب المصانع في الصين يطلبون مني التسديد بأسرع وقت ممكن ولا أملك قيمة الجمارك حتى أخرج البضاعة إلى الأسواق .
سحب الدخان تملأ أجواء المكتب والسيد معتز مع كل تسائل تجده يشعل سيجارة جديدة .
_يا رب ما هذا الوباء الذي دمر أحوالنا ؟
يشعل سيجارة جديدة يجب أن أجد حلاً ،
هكذا أنا سوف اخسر سمعتي أمام أصحاب المصانع في الصين ولن أستطيع بعدها أن أطلب منهم بضاعة أبداً أبداً.
يفكر معتز في أي حل ، وتجول في عقله اسئلة كثيرة
هل أبيع البضاعة كما هي ولو بخسارة ؟
هل أطلب من أحد الاصدقاء المشاركة فيها ؟
هل ألتجئ إلى البنك وآخذ بالربا ؟
يضع رأسه بين كفيه منكفئاً على طاولة المكتب ،
يا رب ، الحل من عندك يا الله ،
أغمض عينيه سارحاً هائماً بأفكاره التي لا تجد لها مرسى ولا تعرف للحل طريقا ، فجأة فتح عينه ، رفع رأسه ، إنتفض جسمه وعقله، آه وجدتها
سوف أبيع حصتي في قطعة الأرض المشتركة بيني وبين إخواني في الخليل ، توقف عن التفكير لحظة ثم عاد يقول في نفسه ، هذه قطعة لا نستطيع أن نفعل بها شيء وبرغم موقعها المميز بالقرب من الحرم الإبراهيمي الا ان اليهود يضعون أمامنا كل العراقيل للاستفاده منها وأنا بحاجة ماسة إلى ثمنها ، توقف عن التفكير لحظة ،،
سوف أذهب إلى السفارة الإسرائيلية وأقدم طلب فيزا ،
هز معتز رأسه لعل الله ييسر لي الأمر وأجد من أبناء عائلتي من يشتري حصتي ويدخل شريكاً مع إخواني .
نهض من مكانه ، تفقد جواز سفره ثم إنطلق إلى السفارة الإسرائيلية،
السفارة شبه مغلقه بسبب جائحة كورونا فهم يعملون بأقل عدد من الموظفين،
موظف الاستقبال
_تفضل ماذا تريد ؟
_أريد ڤيزا لزيارة الخليل ؟
_وما هو سبب هذه الزياره ؟
_عندي قطعة أرض، وأريد أن أبحث عن مشتري .
رفع الموظف رأسه عن ورقة الاستعلامات وقد بدت على وجهه علامات الإهتمام الشديدة ثم قال
_وأين تقع هذه الأرض ؟
_بالقرب من الحرم الإبراهيمي
توقف الموظف عن الكتابة ، تفضل إجلس ، نهض عن مكتبه ثم دخل بوابة مقفلة برقم سري .
جلس معتز متوترا ً ، مترقباً .
يبدو أن الأمر صعب وإذا أرادوا أعطائي الڤيزا فسوف يأخذ الأمر شهراً على الأقل،
لحظات وإذا بالموظف يعود
سيد معتز تفضل معي القنصل يريد أن يقابلك،
إزداد توتر معتز قليلا وتسارعت دقات قلبه ثم نهض ليمضي خلف الموظف من خلال الباب الأمني إلى مكتب القنصل الذي وقف مرحبًا تعلو وجهه ابتسامة عريضة
_اهلاً سيد معتز . تفضل إجلس هنا بالقرب من مكتبي ، صمت القنصل قليلا ثم تابع ضاحكا يبدو أن الكورونا قد أثرت على الأعمال مما يضطر الناس لبيع بعض الممتلكات وهذا أمر طبيعي ، التجارة هي الأفضل والمال يأتي بالمال ، سوف أعمل على تسهيل الأمور لك بشكل سريع ، وفوق ذلك سوف أجد لك مشتري جيد جداً.
تهلل وجه معتز فرحاً مسروراً وبدء القلق والتوتر يتلاشى أمام الأمل ببيع الارض ثم قال
_ يا ريت والله ، أكون لك من الشاكرين
زادت ابتسامة القنصل وهو يقول
لا عليك بينما تشرب قهوتك تكون الڤيزا جاهزة وإذا أحببت السفر غداً سنرتب لك كل الأمور .
مرة أخرى يشعر معتز بالإرتياح وكأنه قد إنتهى من كابوس الألتزامات المسيطر عليه منذ أسابيع ، ثم قال
_نعم مستعد للسفر غداً
إذن ستجد سياره بإنتظارك على الحدود الساعه العاشرة تماماً
مضى الوقت سريعا ً وها هو معتز يستقل سيارة فاخرة متجهاً إلى أرقى فندق في تل أبيب حيث تم حجز غرفة للمبيت وهناك سيقابل المشتري .
دخل غرفة الفندق الفاخره مبهوراً بكل ما تم من تسهيل غير متوقع منذ وقت مقابلة القنصل وحتى هذه اللحظة ،
أخذ معتز قسطاً من الراحة وقد حان موعد الدعوة على غداء العمل ،
في المطعم الواقع في الطابق الأول من نفس الفندق تم إستقبال معتز في غرفة خاصة ، أربعة من الشباب قدموا أنفسهم على أنهم أصحاب مكتب عقارات .
وصل الطعام وبدأ الحديث عن الأحوال الشخصية أولا ثم العمل وصولاً إلى موضوع قطعة الأرض
_كم تريد يا سيد معتز مقابل حصتك في هذه الأرض ؟
توقف معتز عن الأكل للحظات وسرح بفكره ، هذه الأرض كلها كانت قد قدرت في السابق بمئة الف دولار لكنها الآن أفضل و برغم ضعف السوق إلا أنني سأطلب خمسين ألف دولار مقابل حصتي ،
ما زال معتز سارحاً حين قال أحدهم
يبدو أنك لا تعرف قيمة الأرض ، لعلمك يا سيد معتز نحن نعمل كذلك مقدرين عقاريين وتأكد أننا سندفع السعر المناسب .
نظر معتز في الوجوه ،
_كم ستدفع ؟ دعني أسمع منك .
_سندفع لك مئتي الف دولار ،
توقف معتز عن الأكل ولم يتكلم فتابع الشاب هذا المبلغ مقابل حصتك فقط ،
تنبهت حواس معتز وكأنه قد استيقظ من غيبوبة ، بدا التوتر واضحاً في نبرات صوته
_لا بأس دعوني أفكر قليلا وكذلك أجد أنه من الواجب علي مشاورة شركائي أقصد أخواني بالموضوع.
ضحك أحدهم وهو يقول يا حبيبي لن يدفع لك أحد ربع هذا المبلغ ، فكر براحتك ونلتقي هنا على العشاء،
تدخل اخر قائلا لا تفكر ولا تشاور انا اقول عن زملائي سأعطيك ثلاث مئة ألف دولار ونلتقي بالمساء وليس مطلوب منك إلا الامضاء على ورقة مبايعه فقط .
انتهى الغداء وجلس معتز في غرفته حائرا ً ما الذي يحدث ؟
الأرض لا ترقى إلى خمس هذا السعر ؟
هل أبيع حصتي لليهود فأكون خائناً لله ولرسوله ولبلدي ، ولكني مضطر محتاج ، تجارتي ستفسد واحوالي ستزداد سوءً.
الأفكار تتعارك في عقله وسط ذكريات الاستقبال والاهتمام والمبلغ الكبير الذي عرض عليه . والشعور بأنه مقدم على اقتراف ذنب عظيم
نهض معتز عن سريره كما الملدوغ قائلاً وبصوت مسموع
_والله لن ابيع, والله لن أبيع حبا في الله ورسوله، ووفاءً لدم الشهداء
وبسرعة بدء وبيد مرتعشه يجمع أغراضه ،
نزل إلى باحة الفندق مسرعاً حذراً ، استقل أول تكسي قائلا
إلى جسر الملك حسين ، الحدود الشمالية لو سمحت
السيارة تمضي ودقات قلب معتز تتسارع تسابق عجلات السيارة أملا أن يصل الحدود قبل أن يتنبه إلى سفره أحد ،
وما أن عبر معتز الحدود الأردنية حتى سجد لله شكراً وهو يقول في نفسه
هذه الأرض لا تقدر بثمن ولا تقدر بمال
قيمة ارض فلسطين معنوية فقط....
خليل الشلتوني
الاردن

تعليقات
إرسال تعليق