احلام صغيرة
قصة ~ احلام صغيرة
الكاتب ~ ياسر إلياس ~ يكتب..
~~~~~~~~~~~~~~
أحلام صغيرة...
قبضت يده الصغيرة على يدها المتراخية وهو يجذبها حيث يريد ليشقا طريقهما وسط السوق المزدحم. ورغم أنها لاتفكر إلابموعد الطبيب لكنها انقادت خلف خطواته الصغيرة.
وأشار إلى محل لبيع الألعاب وجعل يلح عليها بصوت أقرب إلى البكاء والإستعطاف أن تشتري له لعبة وهو يجر رداءها. لقد كان منبهرا بما يراه من ألعاب متكدسة خلف واجهة زجاجية. كانت ألوانها زاهية براقة. تملكته حيرة شديدة ماذا يختار؟ تمنى لو يملكها جميعها. في النهاية أشار إلى طائرة.
لم يكن معها سوى عشرون ورقة نقدية. وهي بالكاد تكفي لأجرة الطبيب والدواء. أخرجت خمس ورقات وأعطتها البائع الذي كان مبتسما لها إبتسامة غير بريئة وحاول أن يتلمس يدها عرضا وهو يناولها اللعبة. لكنها مضت بخطوات متعجلة مع صغيرها حتى كاد يتعثر.
في كل مشوارتصحبه معها كانت تعده بشراء ألعاب تكتض بها خزانة ملابسه. لقد كانت مجرد وعود لإقناعه وكثيرا ما أخلفت وعودها معه. إنه يذكر ذلك. لكن الأمر ليس بإرادتها فقد كانت تردد دوما بيأس يغلفه حزن قديم وشقاء لايفهمه (يابني ماذا أفعل العين بصيرة واليد قصيرة) ولم يكن عليه الإحتجاج أو التمرد بعد ذلك.
لكنها اليوم وجدت نفسها مذعنة لصوت أمومتها وعطفها إذ لم تتحمل أن ترى مزيدا من دموعه التي تقطع أوصالها.
عندما حملها بيده وهي تعلو وتهبط على مسرح أحلامه. عبر بها المحيطات والبحار والصحارى والجبال ولامس بأجنحتها سحب السماء ثم قرر إنزالها لإجل الإستراحة.
لقد كانت تبتسم رغم مرضها وهي ترقب فرحته الغامرة ثم راحت تسعل بشدة وصوت يتحشرج في صدرها كزجاج يتهشم فاحتقن وجهها وتباطأت خطواتها.
جذبه مشهد آخر لرجل يبيع القبعات فهفت روحه التواقة للعب وطلب منها شراء واحدة له كانت بلون القهوة. وأخرجت خمس ورقات أخرى أما موعد الطبيب فسوف تؤجله هذه المرة فلا شئ يعدل سعادة ولدها الوحيد. وتساءلت بحزن ترى من سيقرضها مرة أخرى؟ الأمر كله بيدك يارب وكانت مثل تنهيدة.
وسعلت مجددا وانتشلت نفسا كالغريق فيما راح صدرها يعلو ويهبط.
عندما ارتدى القبعة صار واحدا من رعاة البقر وطارد اللصوص بشجاعة وأوقع الكثير منهم في الأسر فحصل على نجمة شرف معدنية على قميصه. لكنه تذكر أن كل رعاة البقر يملكون مسدسات طويلة أو بنادق والتفت اليها طالبا بندقية فأخرج خمس ورقات أخرى.
عندما صارت بين يديه راح يتأملها وعيناه تلمعان بفرح ووجد نفسه يصوب بدقة نادرة على الأعداء بل أنه اصطاد وحوشا برية حمل فرائها على كتفيه العريضين وجعل يدير نظرات تهديد ووعيد لمن يتجرأ ويضايق أم الفارس المغوار حتى أنه فكر بعقاب شديد لبائع الطائرات.
قال لها... (ساخذك معي ياأمي في هذه الطائرة ولاداعي لأن نمشي بعد اليوم مسافات طويلة وليس عليك بعد أن تخافي فهذه بندقيتي.) وابتسمت بعينين حمراوين ترقرق فيهما الدمع وقالت له.. (أنا فخورة بك)
لقد وجد البطل نفسه جائعا بعد هذه المغامرات الشاقة فلمح رجلا يبيع الحلوى بعربة وقد تحلق حولها الأطفال.
أحست بتعب فاستراحت تحت مظلة إنتظارالحافلات. أما هو فذهب غير بعيد لأكل الحلوى حاملا ألعابه وسط نظرات حسد وفضول من باقي الأطفال. كان يمضغ الحلوى ويتمطق شاعرا بسعادة الفارس الذي ظفر بنصر مؤزر وبأنه السيد المطاع والأمير المدلل. ثمل بأحلامه الصغيرة حتى نسي أمه لبعض الوقت. كانت لاتزال جالسة في مكانها لاتلتفت إليه واستغرب عدم تطلعها الدائم إليه فذلك شيء لم يألفه.
عاد إليها حاملا ألعابه وجذبها من يدها المتراخية... كانت باردة وثقيلة.... تجمد في مكانه وشيء ما ينخز أحشائه... رمى ألعابه على الأرض... هذا غير مفهوم. وحك رأسه وفكر..
وجذبها مرة أخرى فلم تحرك ساكنا.....
ياسر إلياس
تعليقات
إرسال تعليق