الجولة الآخيرة



 قصة ~ الجولة الآخيرة

الكاتب ~ محمد العبيدي ~ يكتب..

~~~~~~~~~~~~~~

الجولة الاخيرة


استيقظت في صباح يوم جميل، اتنفس الهواء العليل من نافذة الغرفة المطلة على الحديقة تعودت أن اجري تمارين الصباح البسيطة لأحاول أن اذكّر القلب بأن يدفع الدم ليجري في شراييني بعد أن احيلت معي على التقاعد.

صاحت سيدة البيت _هل استيقظت ابو محمود. 

أجبتها - نعم يا حاجة أم محمود.

قالت- اذا تعال لتتناول فطورك لتأخذ حبوب السكر والضغط.

مرة اخرى تذكرني بما لا أنسى غسلت ويدي و وجهي وجلست على المائدة امام التلفزيون كان الخبر الابرز في الأخبار أن هناك مرض يصيب الناس في الصين و الأفلام تنقل موت الناس في الشوارع. 

- يا حاج ابنكَ الدكتور محمود يقول انه يسمى فايروس كورونا وهو مجهول المصدر ولا توجد اي معلومات عنه.

- حجيتنا الله يكفينا شره ويستر على العالم جميعاً.

عاد محمود من المستشفى وقال إن فايروس الصين قد ينتشر والوزارة تأخذ احتياطاتها و هي احتياطات هزيلة لا تتعدى الوقاية في الوقت الحاضر، أخذت اخبار الفايروس تظهر في اوروبا وسقطت الدول الكبرى مثل ايطاليا وفرنسا في فشل حماية مواطنيها من هذا الفايروس المرعب  وكذلك بدأ الفايروس يفتك بإيران و يظهر على الزائرين الإيرانيين  في النجف، هنا دخلت الدولة في دائرة الخطر، بدأت وزارة الصحة بإصدار تعليماتها بمنع التجوال والحجر على المناطق ولكن الفايروس كان اشرس من كل إجراءاتها، انشغل محمود في مستشفاه باستقبال الحالات المصابة وبدأ يقص علينا كيف إهمال الناس سبّبَ انتشار الإصابات ،ولكن كنت أبرر لبعض الفقراء الذين قوتهم على العمل اليومي لم يفكر احد بهم و عندما تصل المصيبة الى لقمة العيش تجد الإنسان يتصرف بطيش قد يكلفه الكثير. 

بعد أيام....

رنَّ الهاتف واذا بدكتور علي صاحب محمود على الخط.

- حجي ابلغكم بإصابة دكتور محمود بالكورونا وانه لن يستطيع ان يراكم حتى يشفى. 

دارت بي الارض ،لم أخبر والدته التي تحضّر لحفلة خطوبته من ابنة عمه جنات. 

 بدأت اتردد على المستشفى للاطمئنان على حالة محمود في قسم العزل و اكذب على والدته بأنه ممنوع من النزول بسبب كثرة الاصابات ولهذا انا احمل له بعض الملابس والطعام.

كانت ترضي شكّها بما تسمع و لكن قلبها يحدثها بالكثير.

عدت من المستشفى متعباً واخبار محمود غير مطمئنة وقد اخبرني دكتور علي بأنهم وضعوه على جهاز الأوكسجين، تداركت الكلام مع الحاجة قبل ان تسألني عن محمود وقلت 

- ما اخبار اليوم..؟

 قالت - هذه ورقة الكهرباء جاءت اخيراً و عليكَ دفعها و اخبرني الموظف انهم نقلوا مكان الاستلام الى منطقة قريبة من دائرتهم ولكنه كان بحالة سيئة واعتقد ان به إنفلونزا اخرجت له قدح ماء واعطيته حبة باراسيتول لعلها تخفف عنه.

قلت- وبعد..؟

 قالت- هذا كل ما حدث واتصلت بي اختي تسأل عن محمود و اخبرتها بأن اخباره جيده وهو مضطر للبقاء في المستشفى لعلاج المصابين.

بعد عده ايام اتصل دكتور علي يخبرني بأن محمود قد فارق الحياة وأسقط في يدي ،رجلي لم تعد تحملني صحت على أم محمود واخبرتها الخبر ولا اعلم كيف خرجت الكلمات. 

انهارت ام محمود و نقلتها الى الفراش وبقيت الى جانبها حتى استعادت وعيها ودموعها ليس لها رادع و قلبها يكاد يخرج من صدرها.

استدعيت اختها وزوجها ليبقيا معها ريثما اقوم باستلام جسد احد ابطال الجيش الابيض، لم يسمحوا لي بالاقتراب منه فقط شاهدته و هو محشور في كيس أسود و معه ثلاثة أكياس أخرى، نقلتهم سيارة الإسعاف إلى المقبرة الخاصة بالدفن بدون وداع و حتى الدموع كانت من بعيد.

صارت حياتنا كئيبة، وأحلامنا افترسها الكورونا و بدأنا نسمع عن تزايد أعداد الإصابات والوفيات و منع التجوال و هموم الناس و ازدياد اسعار الادوية والكمامات والكفوف و غير ذلك كثير. 

بعد اسبوعين من وفاة محمود بدأت اعراض الكورونا تظهر على زوجتي افترضت انها إنفلونزا وستذهب ،ولكني تذكرت كلامها عن موظف الكهرباء وكيف اعطته الماء والبراسيتول فأيقنت أنه هو من نقل لها الفايروس بدون قصد منه وبدون تحفظ منها، 

وايضا تطورت حالتها ونقلتها  الى المستشفى لوضعها على جهاز التزود  بالأكسجين ولكن الفايروس لم يمهلها طويلا حتى لحقت بمحمود.

وانا اصل معكم الى نهاية القصة اشعر باحتقان في حنجرتي وارتفاع في درجة الحرارة ونحول عام ووجع في مفاصلي وقررت ان اذهب غداً الى المستشفى  لأجرى الاختبارات اللازمة لأعلنَ جولة جديدة مع الكورونا اسأل الله أن أكون المنتصر فيها.


محمد موفق العبيدي/العراق

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

أنَّى لي بعِمَامةِ أبي

الحمل الوديع

أشواك للبيع