رحلة مؤجلة
قصة ~ رحلة مؤجلة
الكاتبة ~ أناستاسيا آمال ~ تكتب...
~~~~~~~~~~~~~~~~~~
رحلة مؤجلة:
"آسف رحلتك على متن القطار الثالث يا سيدي، عليك الانتظار، أو إلغاء السفر ليوم غد وأعدك أن تكون أول من يقعد على الكرسي فيه....."
نظر إلى الساعة وإليه وحاول امتصاص انفعاله بقوله:" إن لم أصل خلال ثلاث ساعات سأخسر ما قيمته هذا القطار أو أكثر، فهل أدركت حجم خسارتي عند انتظاري للغد؟!"
ذهل الموظف فيما سمعه، ونقل مشكلته للإدارة، مباشرة رُمي أحد المسافرين خارج القطار، وتوجه إليه الموظف قائلا:
" تفضل سيدي لك مقعد في المقدمة، واعذرني على تعب وقوفك لمدة عشر دقائق، وعلى إزعاجك بما تفوهت به آنفا"،
فنظر إليه باستغراب واتجه إلى ذلك الرجل مد يده محاولا مساعدته على الوقوف، فشكره قائلا:" لم يقعدني عجز الجسد يا بني، بل عجز الحيلة، وقهر افتقار الأدب وضياع الحق"، رد عليه:" يا سيدي أنت تاج رأسي، مكانك لك، ولن أسمح لنفسي أن تكون السبب في اتساع الفجوة بين عالمي الفقر والغنى، لذا من فضلك لا تدع سوط ضميري يجلدني بسبب ما تمر به الآن"، فأصرّ على موقفه، لتنطلق صافرة القطار، وينادي عليه الموظف، فرمى له التذكرة، وساعد الرجل على المغادرة، قال له:" ترى ما سر تبجيلهم لك يا بني، يبدو أنك فاحش الثراء؟!"، رد عليه:" ببساطة أنا طبيب جراح، فقط ثمنت له عملية سأجريها لمريض كاد يفقد عينيه، فقيمة العين أكبر بكثير من هذا القطار، أو الطائرة، أو حقيبة ألماس ثقيلة، يا سيدي كلما قدرنا النعم التي منّ الله بها علينا، ازداد شكرنا لله، ومحبتنا له، ولكننا وصلنا للنقطة التي تجاوزنا فيها نكران النعمة إلى الحد الذي فيه نبخس الناس أشياءهم، ونحاول المحافظة على الطبقية والفوقية حرصا على المنفعة الخاصة على حساب العامة"، فحمد الله على ما أثلج الطبيب به صدره، وركب معه في سيارته المتواضعة، أوصله إلى وجهته، وأسرع صوب المشفى راجيا من الله أن يسخر له أسباب التوفيق، ولحسن حظه تقرر تأجيل العملية للغد بسبب حالة المريض، فحمد الله، وقفل راجعا إلى منزله، وهناك وعند مشاهدته للأخبار تفاجأ بتعرض ذلك القطار لحادث خروجه عن مساره، فمات كل من فيه......، حوقل كثيرا، ثم قال:" مازال في عمري وعمر ذلك الرجل بقية، فيارب اجعلها في الخير وارزقنا حسن الخاتمة...."
أناستاسيا آمال
تعليقات
إرسال تعليق