سالم الوكيل



 قصة ~ربما 

الكاتب ~ سالم الوكيل ~ يكتب..

~~~~~~~~~~~~~~~~

(  ربما  ) 


فِي تِلْكَ اللَّيْلَة الَّتِي لَم يَزَلْ مَطَرُهَا هَامِيًا كَعَينٍ دَمُوعٍ وَلَمْ يَزَلْ  وَمِيْضُ بَرْقِهَا مُتَلَاحِقًا كَحَبَاتِ لُؤْلُؤٍ مَنْضُودٍ ، لَمْ يُغْمَضْ لَهُ جَفْنٌ ، طَارَ النَّومُ مِنْ عَيْنَيْهِ ، أَخَذَ يَرْتَشِفُ قَهْوَتَهُ رُوَيْدًا رُوَيْدًا .. ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى مُتَصَفَحِهِ ؛ فَإِذَا بِرِسَالةٍ ، أَسْرَعَ لِفَتْحِهَا ؛ كَي يَعْرِفَ فَحْوَاهَا ..كَانَتْ لُغَتُهَا رَقِيْقَةً كَالهَوَاءِ العَلِيلِ الَّذِي يُرِيْحُ القَلْبَ المُتْعَبَ مِن مَشَاقِ الحَيَاةِ ، يَفُوْحُ مِنْهَا شَذْوُ العِطْرِ ..

رَدَّ عَلَيهَا التَّحِيَّةَ ، أَخَذَتِ الكَلِمَاتُ تَنْسَابُ مِنْ ثَغْرِهَا اِنْسِيَابَ الأَصَابِعِ عَلَى المِعْزَفِ تُطْرِبُ النَّفْسَ وَتَأْسِرُ القَلْبَ ، سَاءَلَهَا قَائِلًا : مَا السَبَبُ وَرَاءَ  لُغَتِكِ الجَذَّابَةِ هَذِهِ؟.. أَجَابَتْهُ : بَأَنَّهَا مُعَلِّمَةٌ تَعْشَقُ العَرَبِيَّةَ عِشْقًا ، تُطْفِئُ ظَمَأَهَا بِرِيِّ بَلَاغَتِهَا ، وَتُذْهِبُ وَحْشَتَهَا بَأَنِيْسِ فَصَاحَتِهَا ، نَهَمُهَا فِي القِرَاءَةِ لَا يَتَوَقَّفُ كَالسَّيْلِ العَرِمِ .

عَمَدَتْ أَنْ تَكْشِفَ عَنْ حَذْلَقَتِهَا اللُّغَوِيَّةِ أَمَامَهُ ، أَظْهَرَتْ تَبَخْتُرًا وَتَعَالِيًا فِي مَقْدِرَتِهَا النَّحْوِيََةِ ؛ لِأَنَّهَا عَلَى عِلْمٍ بِمَنْ يُحَادِثُهَا .

فَتَّشَتْ آنِفًا فِي أَرْوِقَةِ كِتَابَاتِهِ ، فَتَبَيَّنَ لَهَا أُسْلُوبُهُ المَاتِعُ وَلُغَتُهُ الرَصِيْنَةُ الفَصِيْحَةُ وَمِنْ هُنَا بَدَأَ السِّجَالُ ..

كُلَّمَا اِسْتَغْرَقَتْ فِي الحَدِيْثِ مَعَهُ ؛ اِنْتَابَتْهَا نَشْوَةُ الفَرَحِ ، وَرَاقَهَا لَطَافَةُ كَلِمَاتِهِ ، سُرَّتْ بِشَخْصِيَتِهِ ، وَدَّتَ أَنْ تَصْدَحَ بِهَذَا الإِعْجَابِ صَدْحًا غَيْرَ أَنَّهَا خَائِفَةٌ مِنْ شَيءٍ مَا أَوْ أَنَّ كِبْرِيَاءَهَا حَالَ بَيْنَهُمَا ..

مَضَى رَوْقُ اللَّيْلِ وَالحَدِيْثُ مَازَالَ سَمِيْرَ لَيْلَتِهِمَا ، سَحَرَتْهَا فِطْنَتُهُ وَسُرْعَةُ بَدِيْهِيَّتِهِ فِي الرَّدِ .

غَابَتْ قَلِيلًا ، ثُمَّ عَادَتْ تَقُولُ لَهُ : لَقَد وَجَدْتُ بَعْضِي فِي إِحْدَى قِصَصِكَ ... ( ربما ) ، تَعَجَّبَ مِنْ قَوْلِهَا ، كَيْفَ ذَلِكَ ؟!..

إِنَّ كِبْرِيَاءَهَا مَنَعَهَا مِنَ الإِجَابَةِ ، إنَّ وَرَاءَهَا أَمْرًا مَا هَكَذَا قَالَ فِي نَفْسِهِ .

اِنْفَعَلَتْ فِي وَجْهِهِ ، صَارِخَةً : أَنْتَ تَطْرَحُ الكَثِيرَ مِنَ الأَسْئِلَةِ ؟..

أَنَا أَنْفِرُ مِنْ كَثْرَةِ الأَسْئِلَةِ ، بَادَرَهَا بِقَوْلِه : وََأَنَا أَنْفِرُ مِمَنْ يَنْفِرُ مِنْ كَثْرَةِ الأَسْئِلَةِ ..

سَكَتَتْ هُنَيْهَةً ، ثُمَّ قَالَتْ : لَكَ هَذَا .

قَالَ لَهَا : شَخْصِيَتُكِ سُلْطَوِيَّةٌ أَنَانِيَّةٌ نَرْجِسِيَّةٌ ..

كَانَ  وَقْعُ هَذَا التَّوصِيفِ عَلَى مَسَامِعِهَا  كَصَوتِ الرَّصَاصِ الَّذِي يَصُمُّ الآذَانَ ..

رَدَّتْ عَلَيهِ بِقَولِهَا : ربما ..

رُغْمَ تِلْكَ الكَلِمَاتِ إِلَّا أَنَهَا لا تُرِيدُ أَنْ تَخْسَرَهُ ؛ فَلَقَد رَأَتْ فِيهِ شَبِيهَا لَهَا فِي الثَّقَافِةِ واللُّغَةِ والعِنَادِ ..

أَرَادَتْ أَنْ تُسِرَّ لَهُ بِشَيءٍ مِنْ حَيَاتِهَا ، لَكِنَّهُ قَاطَعَهَا قَائِلًا : كيفَ تُسِرِّينَ لِي بِشَيءٍ وَأَنِتِ تَخَافِينَنِي ؟!..

قَالَتْ لَهُ : طَابَتْ لَيلَتُكَ .

رَدَّ عَلَيهَا : ربما ..


سالم الوكيل .

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

أنَّى لي بعِمَامةِ أبي

الحمل الوديع

أشواك للبيع