بنت شريرة
قصة ~ بنت شريرة
الكاتب ~ رعد الإمارة ~ يكتب..
~~~~~~~~~~~~
(بنت شريرة)
جلستُ إلى مرآتي ذات الإطار الفضي،غير عابئةٍ بنداءات أمي المتكرّرة،كنت أتميز غيظا ، كان يمكن للفطور أن ينتظر لدقائق،دقائق قليلة فحسب،أما الجمال،جمالي أنا فلا! كان علي أن أعرف، من أجل ذلك جلست هنا وجهاً لوجه أمام مرآتي الطيبة . تنحنحتُ بصوتٍ مسموع،حتى أني رسمت ابتسامة جميلة على فمي، قد لايكون لها مثيل، ثم همست لها، للمرآة:
-صباح الخير ياحلوتي، صباح الورد يامرآتي، حتما سمعتِ أمي وصياحها المتكرّرْ، لذا أرجوك لاتضيّعي وقتي، اخبريني من هي الأجمل في هذه الغرفة؟. اهتزّتْ المرآة، قالتْ بصوت عميق يشبه الصدى :
-إنه سؤال بسيط جداً! فالأجمل في هذه الغرفة هو أنتِ.
-آه، وجنتاي تحمرّانْ، لكن لطفاً، هل لي أن أسأل كيف عرفتِ؟.
-يا له من سؤال سخيف! واعذريني لهذه الكلمة، الجواب بسيط، لأنه لايوجد أحد غيرك في هذه الغرفة. وقفت أمي فجأة في باب الغرفة، كان الغضب يرتسم على محياها، قالت :
-انهضي بسرعة، وكُفيّ عن النظر دوماً في المرآة، ستصابين بالعمى، أبوك ينتظر، هيا. هَمستُ للمرآة قبل أن الحق بأمي الغاضبة :
-لاترحلي يامرآتي، سأعود سريعاً. تَفحَصني أبي بنظراته العميقة، أشار بأن ادنو إليه، قال :
-نعم هكذا أفضل، اجلسي هنا بقربي، الأميرة الحلوة لابد أن تفتح نفس أبيها للطعام. كانت أمي أثناء ذلك قد رفعت ملعقة الحساء عالياً، لكن أصابعها جمدت في الهواء، حدث ذلك حين سمعتْ كلام أبي لي، هي تتصّورْ بأنَ الدلال الزائد ُيفسدني، قَطبتْ حاجبيها وقالت :
-عليك أن تكف عن افسادها، لقد أصبحتْ ناضجة، الواجب أن تتعّلمْ شؤون المنزل، أنها حتى لاتعرف كيف َتقلي بيضة!. وضعَ أبي َكفّهُ الكبيرة على ظاهر يدي، ضغطها بود، قال بعد أن غمزني :
-البنت شاطرة، فقط هي مشغولة بالدراسة، أعدك بأننا قريباً سنتناول بيضاً مقلياً من صنع يديها الحلوتين، ياإلهي انظري يا امرأة ما أشد نعومة يديها وجمالهما. قال أبي هذا ثم رفع يدي وراح يقبّل أصابعي، َطغتْ الحمرة على ملامح وجهي، تركتْ أمي الملعقة تغرق في الحساء، بعد أن نهضتْ وغادرتْ للمطبخ. أنهيتُ احتساء الشاي، كان قد أصبح بارداً،سمعت أبي يكلّم أمي في المطبخ، علا حديثهما في البداية، لكنه مالبث أن تَحوّلَ إلى همس، ثم إلى ضحك متبادل، خرجا إلى صالة الطعام، اقترب أبي مني، انحنى ثم َقبلَني في رأسي، بعدها غاب خلف الباب. أنهيتُ فطوري، حاولت رفع الأطباق، لكن أمي أمسكتْ بيدي، قالت :
-اغسلي فمك ويديك، َحضّري واجباتك فغداً مدرسة، هيا اذهبي. كان فراشي دافئاً، مررتُ بأصابعي على الوسادة،شَعرتُ بخدرٍ لذيذ، فكرت بأن اغفو قليلاً ،لكن لا، حانت مني نظرة للمرآة ذات الحواف الفضّية ، أسرعتُ اليها ثم رحت أُديم النظر في ملامح وجهي من خلالها ، همستُ لنفسي :
-أنا الأميرة الجميلة. َضحكتُ بجذل مثل طفلة، سَمِعتُ بعد برهة صوتاً عميقاً، أشبه بالأنينْ :
-ومن قال غير ذلك؟ . حَدّقتُ في زجاج المرآة بدهشة، َصفقّتُ بأصابعي العشر، هاهي مرآتي تؤكد كلامي،قلت لها وأنا اختلس نظرة نحو باب غرفتي المغلق :
-َطيّبْ، من هي جميلة البيت هذا، من هي الأحلى!؟. لم يطل جوابُ المرآة، خيل لي أنه كان أسرع حتى من البرق نفسه، قالت :
-بالطبع أنتِ، فهذا مؤكّدْ، أما السبب ياعزيزتي فهو أنكِ وحيدة هذا البيت؛،َتذكّري أنه لا يوجد أحد غيرك!. لا أعرف، لكني شعرت كما لو أن جواب المرآة كان مبطناً بالسخرية ، إذ مامعنى قولها لايوجد أحد غيري! َضيّقتُ مابين عيني ثم قررت إطلاق قذيفتي في وجه زجاجها البرّاقْ ، هتفتُ بها وقد استبد بي شيئا من الغضبْ:
-ومن هي الأجمل، من برأيك الأحلى خارج حدود هذا البيت!؟ها، َتكلّمي وكوني صادقة، لأني سأعرف . ساد سكون، حتى الأنفاس انقطعت لبرهة، رحتُ أُحملق في المرآة، وأنا أبحث عند حوافها وفي زجاجها عن جواب لسؤالي ،في الجانب الآخر فإن المرآة َظلّتْ صامتة، صمت القبور، إنها َتتذّكر ماحدث لبعض شقيقاتها مع هذه البنت الُمدللّة الخرقاءْ، هل عليها أن تقول الحقيقة؟ فيكون مصيرها تناثرها إلى شظايا! أم تلجأ إلى أسلوب النفاق والمداهنة، فتكسب حياتها!؟ أخذتْ المرآة نفساً عميقاً،ثم قررت أمراً، خَرجَ صوتها الحبيس،أشبه بالحشرجة :
-أنتِ مازلت طفلة،أما أنا فقد قضيتُ عمري في غرفة أمك الطيبة، رافقتها مذ تَزوجتْ أباك وحتى وقت قريبْ، قبل أن تمنحني لكِ ،عوضاً عن المرايا العديدة المهشمة بيديكِ،إذن ياعزيزتي على أحدهم أن يوقفْ غرورك، وقد اتّخذتُ قراراً بأن أقوم بذلك، فهل أبدأ الَعدْ!؟. كان غضبي في لحظة الهراء، الذي تفوهتْ به هذه المرآة، قد أصبح لايطاق، كنت أغلي، حتى أن رأسي كادَ ينفجرْ، ماذا تظن نفسها هذه المرآة العجوز؟ قلت لها وأنا اهزّها هزاً عنيفا :
-ماهذا الكلام يابلهاء، أيتها القذرة، لولا أصابعي التي تمسح عنكِ الُغبار ،لأصبحتِ قطعة خردة! ثم عن أي َعدٍ تتكلمين!؟لم أفهم مغزى عبارتك. كانت المرآة تعرف أن ماستقوله، ماستنطق به، سيكون آخر كلام لها في هذه الدنيا، لكنها مضتْ في حديثها وقد هيأتْ نفسها لذلك، قالت :
-يامسكينة، ماقصدته بالَعدْ، هو العددُ الهائل من الجميلات اللاتي تمتلىء بهن هذه الدنيا، ثمة آلاف وآلاف منهن خارج أسوار هذه الدار،قد تكوني جميلة من الخارج، لكن جمال الروح مفقود لديك تماماً، إنك ميتة من الداخل....!. لم تُكملْ المرآة حديثها، لم أدعْ هذه الحكيمة المغرورة تنطقُ بالمزيدْ، صرختُ بها، سنرى من هو الميت الآن، حملتها بكلتا ذراعي، بل انتزعتها انتزاعاً، لم يند عنها صوت ولم تُبدِ مقاومةً ُتذكرْ، تَوسطتُ الغرفة، ضحكت كما لم أفعل من قبل، رَميتُ بها بكل قوتي نحو الجدار، ارتطمتْ وارتدّتْ، لكن زجاجها البراق تناثر، حتى تحول بالنهاية إلى عشرات وعشرات من الشظايا التي لاقيمة ُتذكرْ لها،أما أنا فقد تنهدت فحسب، هذا أقصى ما فعلت. (تمت)
بقلم /رعد الإمارة /العراق
تعليقات
إرسال تعليق