كبرياء في مهب الريح
قصة ~ كبرياء في مهب الريح
الكاتب ~ يوسف مهدي ~ يكتب...
~~~~~~~~~~~~~~
كبرياء في مهب الريح
يتذكر العربي جيدا ذاك الصباح. و يتذكر ذلك الوجه ذو علامة المُديَة بادية على خده الأيمن. لم يعرف أنه سيخوض تجربة عسيرة في حياته.
بينما كان واقفا أمام باب مقهى (خاي أحمد)، و بدون سابق إنذار ارتمى عليه نفس الشخص ذو العلامة على الخذ و لم يعط له حتى فرصة معرفة ما يحصل له.
-ماذا تفعل؟ ما بك يا هذا
يرد عليه بلكنة غير معهودة
-اثبت و بدون حركة
و في نفس الوقت كان ينادي على شخص آخر.
لم يكن يدري أنها دورية خاصة مكلفة من طرف شركة التبغ لملاحقة بائعي السجائر في السوق السوداء.
هنا، كان لزاما عليه و في ظرف وجيز أن يقنع الشخصين أن الكرتون المخصص لبيع السجائر في مدخل المقهى لا يخصه، وأنه تلميذ يتابع دراسته في السنة الخامسة من التعليم الثانوي.
لكن كل التوسلات ذهبت سدى عند اقتراب سيارة خاصة و دفعه داخلها ويديه مكبلتين بالأغلال وراء ظهره.
ما زال يتذكر كيف تم دسه بعنف داخل السيارة ما جعله لا يستطيع القعود بطريقة صحيحة.
كانت أول مرة يركب فيها الفولسفاكن تي 1، و كان من بين أوائل الصيد بالنسبة للمجموعة المشؤومة.
إلى هذا الحد، كان يمتلك من الثقة ما تجعله يطمئن نفسه أنها لن تكون سوى تجربة ثقيلة و سيتم إطلاق سراحه. دليله على هذا كونه لا تجتمع فيه مواصفات بائعي السجائر و كونه يتابع دراسته الثانوية.١
في الطريق توقفت السيارة على مستوى حومة الصهريج ليتم القبض على رجل طاعن في السن، يعرفه جل من يمر بنفس الشارع، واقتياده مكبل اليدين.
أكملت السيارة مسيرها تتصيد المزيد من الأشخاص.
وقفت في وسط المدينة على شاب أمام طاولته ليتم القبض عليه. هنا تدخل شخص كان يحاول اقتناء شيئا ما من عند الشاب.
-ما هذا الأسلوب في اعتقال الناس. إنهم شباب يترزقون على الله لتمويل ذويهم.
رد عليه واحد من أعضاء المجموعة المشؤومة:
-هذه الأشياء لا تخصك. فأكمل ممشاك.
قال هذه الكلمة الأخيرة و هو يدفع الشخص بطريقة فظة من أجل أن يكمل طريقه.
بما أن صاحبنا من أسرة التعليم، تسمر في مكانه وهو يقول:
-أنا حر في أن أبقى حيث أنا
لم يكمل جملته الأخيرة حتى استوعب بعد فوات الأوان أنه بداخل السيارة مع ذوي السوابق الوهمية.
عندما أكملوا دوريتهم، أدخلوهم إلى مكاتب شركة التبغ من أجل إتمام الإجراءات القانونية.
كانوا ما يقرب الخمسة عشر شخصا داخل مكتب كبير ينتظرون المجهول. كان من بينهم شباب اقتيدوا حتى قبل إعطائهم فرصة تغيير ملابسهم الخاصة بالسباحة.
سأل العربي واحدا منهم
-من أين أتوا بكم
-من الرينكون، كنا نشتري سجائر و تم القبض علينا
في هذه الأثناء، كان الأستاذ ما يزال يصف ما قاموا به اتجاهه بالغير القانوني و أن البلاد قد تغيرت ولم يعهد في حياته فوضى بهذا الشكل.
تقدم إليه الشخص المكلف بالإجراءات الإدارية مؤنبا و متوعدا إياه بتقديمه بكل التهم الممكن أن تأتي على مستقبله المهني.
لم يتمالك أستاذنا المسكين نفسه من كثرة الغبن، و دخل في نوبة بكاء اقشعرت لها مشاعر الحاضرين. ليتأكدوا جميعهم أن ما ينتظرهم هو المجهول نفسه.
الطمأنينة التي كانت بادية على العربي تبخرت جراء ما عاين من شطط. استجمع قواه و تقدم إلى المسؤول ليشرح له أن هناك خطأ يجب تصحيحه و أنه لا علاقة له ببيع أو شراء السجائر.
تجاهله المسؤول، مما أدى به التأكيد على براءته بصوت قوي و عال، ما جعل المسؤول يقف و يصفعه أمام الملأ و بدون أي اعتبارات.
من كثرة الحنق لم يتمالك هو أيضا نفسه لتنهمر الدموع بصمت على خذه معلنة انكساركبريائه العذري و لينزوي في ركن تاركا آخر خيوط الأمل تتلاشى أمام هذا المشهد الدرامي الذي يتحكم في تلابيبه حيوان آدمي.
أول مرة في حياته يخبر أحاسيس الغبن و الحنق و عدم القدرة على أخذ زمام الأمور و تلاشي كل إمكانية التحكم الإرادي في الأحداث.
بعد تسجيل آخر واحد، تم نقلهم مباشرة إلى مخفر الشرطة (عين خباز) من أجل تقديمهم إلى المحكمة بتهمة لا يعلمها إلا الله.
(يتبع)
يوسف مهدي
تعليقات
إرسال تعليق