الأمومة المفقودة



 ق.ق.~ الأمومة المفقودة

الكاتب ~ عامر علي ابراهيم~ يكتب...

~~~~~~~~~~~~~~~

الأمومة المفقودة  ـ  ( الجزء 2 )


   

أخذَتْ نفسا عميقا ثمّ جالت ببصرها حولها كمن يبحث عن الدّعم في وجوه الآخرين .

لم يكن في غرفة العلاج غيرها و غير طبيبها الجالس  قبالتها على كرسيّه الدوّار ينتظر منها أن تسرد على مسامعه حكايتها بكلّ التّفاصيل الصّغيرة العالقة في ذهنها كالمسامير الحادّة تؤلمها كلّما حرّكتها أو حاولت إنتزاعها  .

يَعرف من خلال ملفّها الطبّي أنّ مريضته تعرّضت لصدمة نفسيّة حادّة. حصل ذلك حين استفاقت من غيبوبتها الّتي دامت أكثر من شهر على وضع شديد القساوة . فاجأها أن ترى أغلب جسدها  متضرّرا و في حالة ترميم و إعادة تأهيل ، لا يقوى على شيء ويعتمد على التجهيزات الطبيّة في آداء وظائفه ... لم تفهم ما حصل ولم تُسعفها ذاكرتها حين اعتصرتها بأيّ أحداث سجّلتها عمّا جرى ، لم تستوعب هذا التحوّل ولم تتقبّل هذا الوضع الجديد فدخلت في حالة هيستيريا جنونيّة لم تتوقّف إلّا بإبرة التخدير ... استمرّ ذلك الحال مدّة متناوبا بين الهستيريا و التخدير . الطّبيب النّفسي الّذي باشر حالتها بعد الحادث بذل جهدا كبيرا لصنع شيئا من الهدوء داخلها لكنّه لم ينجح تمام النجاح ... العمليّات الجراحيّة الكثيرة التّي أجريت عليها و القصور الّذي طال وظائف بعض أعضائها و عمليّة الزّرع لعضو حسّاس تبرّع به أحد الأقارب لإنقاذها من موت محقّق كان أمرا صعب التقبّل و مؤلما بشدّة .

كلّ تلك الحيثيّات يعرفها طبيبها الحالي من خلال الملفّ الّذي بين يديه، لكنّة لا يعتقد أنّها الأسباب الوحيدة الّتي تجعل شخصيّتها عنيفة في بعض الظّروف و تصل حدّ التهوّر في ردّ الفعل صوب من يضعه قدره في طريقها لحظة غضبها... لا بدّ من أسباب أخرى تجعل من فتاة على درجة من العلم و الثقافة و سليلة عائلة راقية تصبح بهذه الشّراسة و العنف . لا بدّ أن يمسك بخيط الألم الّذي بداخلها من لسانها ليسحبه خارجا أو يقتطع منه جزءا على أقلّ تقدير ... لا بدّ أن تشير في كلامها لمكمن هذا الدّاء و ما عليه إلّا تلقّف الكلمات المفاتيح من فيها ليجري لها تقويم سكينتها و هدوءها  المضطربين . شجّعها على الأنسياب في الكلام بقوله :

ـ الطّبيب يسمع كلّ ما يجول بالخاطر و لا يعترض على شيء منه  فدعي خاطرك يحدّثني .

ردّت : حاضر ... إنّه كذلك يا دكتور . أنا لا أستطيع الإنجاب بعد الآن، أكيدٌ  أنّك على علم بما حدث لي،

الملفّ الطبّي به ما يفيد أنّي  الآن بلا رحم و بلا مبيض .

غلبتها دموعها الحارقة لكنّها استمرّت في حديثها دون أن تنظر في وجه طبيبها .

ذلك الحادث المأسوي تضرّرتُ منه شديد الضرر ... كان على الأطبّاء أن يختاروا  بين خيارين  كلاهما شديد المرارة . قالوا لعائلتي : إما  الأستئصال أو الموت . لم يفكّروا  في غير إنقاذي من الموت  فقرّروا  إنتزاع أمومتي قبل أن أراها ... لا ألوم أميّ فهي لا تقدر على المخاطرة بحياتي ، إنّها أمّ  لا تقو  على حرمانها من صغيرتها، فقرّرت أن تجعلني من يدفع  أمومته ثمنا  لأمومتها...

 يكفيها أن تراني على قيد الحياة  لكنّي لا أراني كما تراني... حلم الزّواج  و حلم الإنجاب لم يعودا من حقّي و إنّما صارا علّتي و ألمي ... 

 هل تعرف يا دكتور معنى أن تشتهي ما لا يتاح ؟

 هل تعرف شعور فقدان الأحساس بالحلم ؟  

الحلم صار غير ممكن ... الأطفال زينة الحياة  و السّند بعد حين و الأمل في الغد ...

 أنا تحقّ لي هذه الأحلام  .. سرقت أحلامي ، سرق أملي و قتل أطفالي  و صودرت أمومتي ... أنا  لا شيء ... لا شيء بدون أمل .  لا أقبل أذيّة غيري  لذلك تراني شرسة  و عنيفة  كما يقولون  لكنّي  أضعف من قشّة في مهبّ الريح .

هل تحبّ أن تعرف كيف حصل الحادث  و لأيّ سبب ؟

هل أحدّد لك الجناة ؟..

( يتبع ) 

بقلم : عامر علي ابراهيم 

' تونس' 



تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

أنَّى لي بعِمَامةِ أبي

الحمل الوديع

أشواك للبيع