عميقة هي الذكريات



 ق.ق~ عميقة هي الذكريات

الكاتبة ~ اسراء الشباب ~ تكتب...

~~~~~~~~~~~~~~~~~

عميقة هي الذكريات.

كنت في نهاية الثلاثين من عمري، حين لاح بخاطري أن أستقيل من عملي وأعود أدراجي حيث البدايات، أيُّ حياة تنتظرني؟! وأيُّ وجع سأحمله حين ألملم شتات روحي عائدة من غربتي؟! 

كثرت الأسئلة وازداد الصراع بين البقاء والعودة، لكن صوت والدي المرهق في آخر مكالمة هاتفية وجهني للاختيار الصائب .

نعم بدأت أعدُّ الأيام والساعات وأسابقها لأجهز نفسي للعودة .سأعود، أجل سأعود..سعيدة أنا بقراري رغم حزن أصدقائي ورغم اعتراض أقاربي ونصائحهم الدائمة أن ظروف الحياة صعبة ،ولن تتأقلمي بسرعة ، خطر ببالي خاطر 

ماذا لو رحل أبي دون رجعة ؟

ماذا سيحل بي هنا؟!

لملمت أغراضي و أوشك صبري ينفذ، سأعود صبيحة عيد الفطر السعيد.

عند طرق الباب،ستفرح أمي كثيرا ، وسيبتهج وجه أبي ، سأعترف أني توقعت الكثير والكثير..جلست بالقرب من النافذة في طائرة العودة ،حلقت الطائرة بسرعة، الغيوم تبدو كأنها ملعب من ثلج متراكم . عصفت بذهني صور وأصوات وضحكات ،وأشياء كثيرة ابتسم حينا وحينا أتجهم تنظر إليَّ جارتي في المقعد امرأة السبعين حولا،تهز رأسها وتتمتم بدعوات لي سمعتها تقول :الله "يشفيك يا بنتي".

ضحكت  بداخلي ظنت العجوز أني مجنونة ، وأعاني من انفصام في الشخصية.لا أخفيكم هي لم تخطأ ، أنا حقا بداخلي شخصيات عديدة .أنا دكتورة اللغة العربية في الجامعة،والناقدة الطموحة في الأدب لي حضوري اللافت في المحافل الأدبية والصالونات الثقافية، وأنا أمٌّ لأطفال صغار أكبرهم يبكي إذا سقط من على سريره أرضا،وأنا الزوجة التي تعد الطعام لزوجها بحب، وأنا تلك الطفلة التي تحن لركوب حمارة جدها ،في الشارع الترابي الضيق 

وأنا صديقة جيدة لا تترك من تحب أو تخذله.

حطت الطائرة ليلا  ، ومن المطار استقلت سيارة أجرة ووصفت له الطريق كي يتسنى لي أن أنام قليلا ،مرهقة من الصوم فلم يتسنَ لي أن أفطر سوى بضع تمرات أعطتها لي جارتي في الطائرة، واكتفيت بشربة ماء كنت أحتاجها بعد أن احتشدت الأفكار في راسي وكأنها فسيفساء جمعت على مهل.

استيقظت على سؤال السائق:

- هل نكمل الطريق يمينا أم يسارا؟

- نظرت حولي باستغراب، هل وصلنا ؟ أهذه قريتي؟ 

رمقني السائق ،فهمت أنه سئم من صمتي

- نعم ،نعم.

إلى اليمن بالقرب من المسجد.

الذي أمامك  في نهاية الشارع.

وصلت.

أخيرا أنا في حيينا ،أنا في حارتنا .

أناس كثيرون على باب المنزل لماذا؟ هل عرفوا بقدومي ؟لم أخبر سوى أمي بقدومي..

تسمرت في مكاني.

عرفت أن هناك خطبا عظيما، دخلت أجري، تلفت يمنة ويسرة،

بحثت حولي أمي تجلس صامتة، حولها نساء كثر، لمحتني رغم الزحام ، عيناها تدعيانني للقرب منها،اقتربت ..

حضنتني

همست بأذني : العمر لك، مات والدك .

مات أبي ...

لازلت صغيرة يا أبي، أنا أبكي كالأطفال أحتاجك، أحلم بصوتك كل يوم تناديني ،لازلت صغيرة يا أبي.

صمت الجميع ،وصمت أنا .

لا بكاء ، لا عويل ،هيبة الموقف سادت الأجواء. عن أي وجع قصصت لكم الآن!!!

سلام عليك أبي حيث أنت.

إسراء الشياب ⁦✍️⁩

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

أنَّى لي بعِمَامةِ أبي

الحمل الوديع

أشواك للبيع