معزوفة النار



 قصة ~ معزوفة النار

الكاتبة ~ ندى مأمون إبراهيم ~ تكتب...

~~~~~~~~~~~~~~~~

معزوفة النار

-------------------------


خيّر أهل بيته بين التوبة أو الحرق بالنار.

لم يكفه أرواح ثلاثة أفراد من العائلة، أزهقها مع دخول الأصوليين للبلاد..لا لشيء، سوى أنهم لم ينصاعوا للأوامر، التي يحلف رفاقه أنها أوامر السماء.


بقي من المارقين في البيت أخته الضالة، تقاومه وتتمسك بآلتها الموسيقية، تنكر عليه تقييده وضربه لها.. أرادها أن تتوب عن مواصلة العزف، والفخر بأبيهما الملحن.

منذ التحق بفرقة الأصوليين، وهو يرى فيهم طوق نجاة من تسكعه طوال ثلاث سنوات، بلا عمل  

، وإدمان مسكر أرهق جيب أبيه.


منحوه كنية، وبندقية، وزجاجات  محشوة بالقماش والجاز، وسلطة شرعية مطلقة ،منهجها التقويم القسري ..فانقلب على بيت أبيه.


قتل أباه الضال ..فاستمرت بالعزف والمقاومة ..عذّب أمه وأخاه الأصغر،على مرأى منها، فعزفت  بدمعها على الكمان.


وسوّس له شيطان شريعته، أن يحرق تاريخ بيت الضلال برمته، وأن يبرأ منهم، ومن شرورهم ..


أضرم النار فَجرًا..خلسة.


لكن أخته لم تكن نائمة..حاولت إنقاذ أمها وأخاها الأصغر، لكن عز عليها سحب جسديهما المثخنين بالجراح.


فرت هاربة، وحروق جسدها المتفرقة تئن تحت دموعها.

الكمان ما زال معلقاً على ظهرها، لم يفارقها منذ أن أعلنت على أخيها المقاومة.

 عبرت النهر سباحة ..الماء أسكن حروق جسدها..لكنه لم يطفئ حرقة القلب.

وقفت على الضفة ، تراقب المنزل الذي جمعت فيه أجمل سنوات عمرها، وهو يحترق، يتلاشى ويبتلع أهلها.

 

لِمَ فعل بهم ذلك؟!


منذ أن جاء رفاقه إلى المدينة، وهي تعيسة ، محطمة ، مجبرة أن تواصل العزف، رغم صفوف الموت، وانقلاب الحال.

تعزف وهي تنتحب ألمًا ، والمدينة تنتحب.


تحسست الكمان المربوط على ظهرها .. ما زال رفيقها.

لم تفق من صدمة الفقد..لكنها الآن على الضفة الأخرى من النهر.


سحبته..وضعته بين كتفها وذقنها.

..حركت قوس الكمان بيدها الذائبة  من الحروق.

تصاعد اللحن الشجي سريعا..

اهتزازات سطح النهر الفيروزي تراقص لحنها..

وشمس الشروق ، ترسل خيوطها، مخترقة أغصان الشجر المتشابك، لتلمع فوق الأمواج المتحركة.

تعلقت عيناها بالركام المحترق على الضفة الأخرى..


صوت عزفها يعلو صخبًا وحدة..

مانِعًا حضور الصمت.


صرخت بإصرار يقاوم الدمع..

هذه المعزوفة من أجلكم..يا عائلتي.


--------------------------

* الكاتبة : د. ندى مأمون إبراهيم 2023.


( من مشاركاتي  السابقة، في فقرة أكمل القصة، للاستاذة الفاضلة نجوى حسيب) 


تحياتي.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

أنَّى لي بعِمَامةِ أبي

الحمل الوديع

أشواك للبيع