علبة زجاجية!



 قصة ~ علبة زجاجية!

الكاتبة ~ سارة أحمد طبال ~ تكتب...

~~~~~~~~~~~~~~~~~

علبة زجاجية!


أبتلع ريقي على مضض ، تعبرني تلك الذكرى الجميلة ، أرسم تفاصيلها بريشة من حنين بتفاهة لا متناهية في المكر والخبث .. وروشتة عناد يأبى الاضمحلال ويتفانى في تعلم فنون البقاء .. ينصبُ له خيمة وسط ذلك القلب البري المهمل  في زاوية من زوايا هذا العالم المكتئب ...

يغرس نفسه من جديد في الأرض بأوتاد خُلقت لتتحدى رغبتنا في الرحيل والنسيان .. ترتعش الأنامل وتنهمك في دغدغة المشاعر بحروف سرمدية مولدها الأزل ومبتغاها ..  الأبد ... لا شمس في حياتي لأدفىء بها روحا باردة منهمكة في صراعها مع التقبل .. لم أدرس في مقاعد الحياة سياسة الرضوخ .. سياسة أرض الواقع ... لطالما كنت المرغوب دوما .. وفي خضمّ ذلك كنت أبحث عن منافس يكون ندا لي .. غرور وكبرياء لم يحطم على مر سنين ومحاولات لطمس كل من يرى نديته لي أو أحقيته بي .. !!

هاه ! ماذا حل الآن ! ضائع .. !! وأمامي سماء لا متناهية سوداء .. تتناثر فيها النجوم وعوالم مخفية أخرى على امتداد البصر وامتداد الغيب ...

متصلبا في وقفتي شامخا لا أعرف الترنح ... صمود أجلِّد  نفسي به .. لا بل نفسي من جلدتني بغلاف من صمود .. في مثل هكذا مواقف !!

وماذا عن داخلي ..؟! 

تقول لي : في عينيك ألف حكاية وحكاية .. لكن لم يروها راوية بعد .. أستفهم منها فتقرؤني بلغتها الصامتة .. تجبرني عيناها على التصديق ، تصديق ما لم تبح به .. !! إيه يال السخافة .. !! لكني أصدق هذه السخافة .. أجل ، أنا أصدقها رغما عني وبكل جوارحي .. 

من ذا واجهني يوما بوضوح صفعة وأخبرني أنني واهم .. وتعتريني لحظات ضعف وهشاشة كالجميع أحاول أن أخفيها ببراعة فكاهي يضحك الجميع سوى نفسه .. لا أحد رأى حزنه قابعا خلف قناع القهقهات العالية ..

تحثني دوما على .. أن أُخرج نفسي من الفقاعة لكنني أصر على أنني داخل علبة زجاجية صقيلة جدا أرى من خلال الزجاج الشفاف كل شيء قريبا مني .. لكن الواقع يؤكد أنها في غير متناول يدي و قلبي ومناي .. !! 

أحاول أن أتسلق جدرانها لكن ما من سبيل لذلك .. !

لهاث .. لهاث .. وعرق وضربات قلب متسارعة .. صراخ لكن لا يُسمع .. لا يرون سوى ممثل يحترف الإيماء .. ممثلٌ صامت ، يستمتعون بما يقدمه لهم في مسرح مجاني التذاكر .. !

ها .. يزداد الموقف سخرية فهاهي ذي يد تنزع عن العلبة غطاءها .. ولا أزال قابعا داخل الجدران الصقيلة التي تزداد ضيقا واقترابا مني وذلك ما يزيد من توتري ..

أنتظر منها أن ترمي لي حبل النجاة وبدل ذلك أسمع صوتا يسخر مني : هيا اخرج من هناك .. الحل بيدك وحدك !!  اه عن أي حل تتحدثين ؟ ما هذه العبثية الحمقاء والعشوائية في الطرح .. هذا خروج صريح عن النص ! ما هكذا قال السيناريو .. ؟

تقول مجددا أعد قراءة النص مرة أخرى وحاول مجددا .. 

صوت أحس أنه ينبع من داخلي يتضخم كالصدى وتتردد أمواجه خارج كياني ثم يرتدّ مجددا هامسا من أعلى الفوهة أو الغطاء غير المغلق ! 

أنظر مجددا . أتحايل على المشهد برمته .. وأنتفض : أي سجن هذا الذي أرغمتموني على دخوله ثم جعلتم منه مسرحا تنفضون فيه همومكم وتأخذون مني ابتسامات وخفة ! أثقلتم كاهلي يا هؤلاء وهؤلاء .. هيا ! فلتغادروا خذوا معكم مقاعدكم وتذاكركم والفوشار ..و الزهور .. لا أريد سوى لملمة شظايا روح بعثرتها الأيام والـ ..الأنـا ! حقيقة لا بد من قولها يا .. " أنا " في مسرحي .. وجمهور هو أنـا فقط لا غير ...

تقول لي : ها قد اقتربت من الخيط واصل .. ويختفي فجأة دون أن يستمع لاستفساري .. وكلي استنفار ، فالزجاج الصقيل يكاد يلتصق بجسدي و الفوهة بعيدة و صدى الكلمات يتردد و يتضخم مجددا ومجددا .. أية عبثية هذه  وأية عشوائية مقيتة .. أين النص الأصلي سئمت من هذا الحوار الأحادي .. !! 

يزحف الزجاج الصقيل نحوي . ركنت إلى داخلي أعلم أنني أحتاج فقط لأن أسأل السؤال الصحيح أما الإجابة فهي حتما سهلة .. أغمض عيني أحاول الإنصات لداخلي ملغيا كل حشرجة خارجية دخيلة .. سكون .. ظلام يشي بالهدوء .. نبض .. نبض .. نبضات .. ( الزجاج الصقيل التصق بجسدي أحس به الآن ) .. يستمر النبض بتواتر متصاعد .. السؤال يتضح أكثر .. 

السؤال يقول : لم أنـا ؟!

يردد الصدى : ولم لا !!

إذن الجواب : لا .. !! 

... انكسر الزجاج .. تحرر النبض .. اختفى المسرح والجمهور  

لم يكن من شيء منذ البداية سواي ... أنـــا ! 


سارة أحمد طبال / الجزائر

من أرشيفي

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

أنَّى لي بعِمَامةِ أبي

الحمل الوديع

أشواك للبيع