حرية الأقفاص



 قصة ~ حرية الأقفاص 

الكاتب ~ د . نبراس سالم ~ يكتب...

«««««««««««««««««««

حرية الأقفاص 


عرفتُ السر، نعم قد أكون تأخرت قليلا، لكني وصلت، سعادتي، في حريتي أو حرية من أحببتهم، أعلم جيداً، بأنك تعلم أنهم أطلقوا سراحي منذ سنة، لكن حرية الروح أهم من قيود الجسد، وما زالتْ روحي مكبلة وفقدت أخبار من أحببت، لكنه الأمل.

شهر من المعاملات والتوسل والجري خلف الموظفين، استطعت إرجاع راتبي التقاعدي، مبلغ زهيد مقارنة بسنوات عملي وشهادتي، رغم ذلك، فمتعتي الجديدة ليست بالنقود، ولا بشراء الطعام، بل بشراء الحرية، نعم هي لا تباع وتشترى، لكنه شعور طيب، في نهاية كل شهر، وعند استلامي الراتب، أستقطع خمسة دنانير لذلك.

تعرفتُ على شاب لطيف، حسن الخلق والأخلاق، متساهل في البيع والشراء، كان ضالتي في سوق محلات بيع الطيور، اشتريت منه أزواج من الطيور الزواجل، كان سعر الزوج بنصف دينار، اشتريت بالخمسة دنانير كلها، أكرمني على ذلك بزوج إضافي، كم أحببته، والأقفاص هدية، أزعجُ هدية حصلتُ عليها، لكنها أفرحتني.

طفت شوارع العشار بالأقفاص، أسمع ضحكات المارة وهمساتهم نحوي، ( عجوز ومطيرچي)، لم أكترث، كنت أشعر بخفة حركاتي، وأكاد أطير، كطفل متعلق بنفاخات مملوءة بالهليوم حلّقنَّ به عاليا، كما في الرسوم المتحركة.

فوق جسر المغايز ، على نهر العشار، وضعت القفص الأول على سياج الجسر، وفتحتُ بابه، ثم الثاني، أرى الطيور وهي تحلق، تحمل بعض من همومٍ أثقلت صدري، تعلو وتبتعد، تصفق بجناحيها، تصفق بفرح، تتقلب كأنها رقصات الحرية، تبقى لدقائق تحوم فوقي، متأكد بأنها تطوف شاكرة، تبث الأماني، سعادة تبعث فيَّ الأمل لشهر كامل، في انتظار الراتب القادم.

ثلاثة اشهر على هذا الحال، وسعادتي لا توصف، بشراء الحرية، أو ما أقنعت نفسي به، يكفي أني فككت قيود الطيور، كان البائع الظريف يكرمني كل مرة، بزوج إضافي هدية، عندما أخبرته بنيتي لإطلاق سراحهن، أعطاني وقتها زوجين مجاناً هذه المرة، كانت إحدى الحمامات مكسورة المنقار، المسكينة يبدو أن أحد الأطفال المشاغبين، مثلي، قد كسر منقارها، توسلت لدى البائع أن  يبقيها، من سيطعمها ويسقيها، لو أصبحت حرة بدون راعٍ، يمكن أن يكون القفص بالنسبة لها بيتها، الحرية بذاتها، رفض مؤكدا ( من خلقها أرحم بحالها).

لم أنم ليلتها، كنت قلقا عليها، أشعر بذنبٍ جسيم، ألوم نفسي، عدت لأرق  المعهود، كيف لا وقد حرمت روح من السعادة.

في الصباح الباكر، هرعت لصاحب المحل، لم أجده، نويت مناصفة الذنب معه، أحمل عن عاتقي نصف خطيئة قتل روحاً دون داعٍ، كان الصبي صانعه هناك، أخبرني بأنه من الفجر، كل يوم يذهب إلى بساتين أبي الخصيب، يصطاد البلابل والعصافير لبيعها هنا، كانت المفاجأة عندما وجدت حمامتي ذات المنقار المكسور، كيف هذا؟

-لا تخف يا عم، نحن نزق الماء والطعام في فمها زقا.

-لا أقصد الطعام، كيف هي هنا؟

- يا عم، حمامتي، كلما أطلقها تعود لعشها، ربيتها على يدي، منذ أن أفقدت، تعود مع كل هذا الحمام، أطعمهن صباحا، وأرحل كل مرة لمكان بعيد، وأطلقهن، يوما واحدا وأجدهن وقد رجعن، لا تقلق، الكل يعود لبيته.

حزنتُ كثيراً، لا على أموالي التي ضاعت ، ولا على غدر بني أدم، لكن حزني على روحي كلما أطلقت العنان لها، وفتحت باب القفص، عادت لسّجانها ومعها مكافأة خمسة دنانير.


د. نبراس سالم.

بغداد

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

أنَّى لي بعِمَامةِ أبي

الحمل الوديع

أشواك للبيع