عبْرَ لُجَّةِ الْغُرْبَةِ



 قصة ~ عبْرَ لُجَّةِ الْغُرْبَةِ

الكاتبة ~ سمية جمعة ~ تكتب...

««««««««««««««««««

عبْرَ لُجَّةِ الْغُرْبَةِ

لم يتجرأ على البوح بمشاعره، وازدادت حدة عاصفة الفوضى في داخله، مصحوبة بومضات من الأفكار المتضاربة، وهدير من الرعد والبرق. سألها وبما أنها لم ترد على سؤاله، كرر استفساره بنبرة حادة:

- "لم تقولي ... أنك..."

أشعل سيجارة وتركها تتآكل ببطء، بينما صار يناجي الله في سره بدعاء صامت، ولم يكن قط معروفًا عنه التدين. "الكل يظن أنني عائدة إليهم، لكنهم مخطئون. أنا راحلة."

التفتت، وكانت قسمات وجهها الشديدة تنبئ بعاصفة غبارية،  لكن سرعان ما هدأت عندما سألها:

"أين... حبيبة؟"

رفرفت بخفة فوق الغيوم، وكلما ارتفعت، تناثرت دموعها كحبات اللؤلؤ. ازدادت الغيوم تلبدا، مما زاد من إحساسها بالضياع. كم كانت خائفة من هذا السؤال! ها هي أمامه وجهاً لوجه، لم يكن زوجًا سيئًا، لكن لماذا اختارت الرحيل؟

كانت سندس، كأي إنسان في بلدٍ حكمت عليه الحرب والتشرد، تعاني من هاجس الغربة، وتسعى جاهدة للقفز فوق حواجز الفقر. كان الطريق وعراً، وعند أول طلقة، اتخذت قرارها بالرحيل مع الجيران الذين هربوا بعد إصابة ابنهم وموته.

والآن... لماذا تشعر بالخوف حقًا؟ لم يكن هناك أثر للحب أو العطف في إخفاقها. صادفت كل الوجوه وهي تتساقط من حولها، وتكاثفت الغيوم فوقها. كم خافت أن تبكي، أن تصرخ، لكنها كتمت مشاعرها خوفًا من شفقة أكرم.

- "أين حبيبة؟" عاود طرح السؤال مرة أخرى.

 يا الله، ماذا ستقول له؟ 

تذكرت حبيبة آخر مرة رأتها فيها، عندما ركبوا البحر. كانت المجموعات المحتشدة أكبر من أن يتسع لها قارب صغير. اعتقدت حينها أنها كانت تمسك بيدها عندما أصيبت بدوار البحر. 

تذكرت اللاجئة التي وضعت يدها على كتفها قائلة بنبرة شجية:

- "لا تبكي، أختي. لقد فقدنا الكثير في هذه الرحلة. لكن يجب أن نتمسك بالأمل."

وتذكرت ذاك اللاجئ الذي صاح بصوت عالٍ:

- "أخيرا اليابسة"!

تذكرت أيضا حينما صارت تنظر إلى الأفق يائسة وهي تقول بصوت ضعيف نظرا لانهيارها:

- " ما حل بابنتي حبيبة يا ترى؟ هل سأجدها أم أنها ضاعت مني؟"

ساعتها ردت بإيمان لاجئة أخرى كانت بجانبها: 

- "بالتأكيد ستجدينها. لقد سمعنا أنها مع بقية الأطفال في مركب آخر. ربما وصلوا إلى بر الأمان قبلنا."

لكن وقد أخذ اليأس من سندس قالت بصوت متهدج:

- "لكن ماذا لو... ماذا لو أوقف خفر السواحل مركبهم؟"

لكن تلك السيدة ابتسمت ابتسامة خفيفة معقبة:

- " لا تفكري بهذه الطريقة. الله معهم. ستجدين حبيبة وستقر عينك بها، فقط قولي يا رب." 

أخذت دموعها تنهمر انهمارا، في حين كان ينظر إليها ويقول في نفسه: "من أين كان لها كل هذه القوة؟" 

أشفق عليها ومسح دموعها، ثم غرقا معًا في عالم الغربة.

سمية جمعة سورية

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

أنَّى لي بعِمَامةِ أبي

الحمل الوديع

أشواك للبيع