خط أحمر



 قصة ~ خط أحمر

الكاتب ~ فاضل العذاري ~ يكتب..

«««««««««««««««««««

خط أحمر 

 جلب أبنائي الثلاثة شيخاً روحانياً إلى بيتي؛ لمعرفة سرّ مرضي الذي عجز عن تشخيصه الأطباء.

 تجولت نظراته المريبة في فضاء غرفة الاستقبال. مرَّر كفيّه فوق الدخان المنبعث من: حرق حفنة من الحرمل والبخور كان قد وضعها في آنية من النحاس. رفع سبابته أمام فمه، وعضّ شفته السفلى؛ مطالبا بالهدوء. دعا أحد الخدام؛ لاستحضاره فورا بلغة مبهمة: تتبعثر فيها الحروف التي لا نعرف لها معنى. مرَّت علينا فترة صمت رهيب لا تخلو من: الفضول، والترقب والانتظار. انتابتني حالة الإغماء في تلك الفترة. أصحو مع بدء المحادثة السرية مع كائن غير مرئي لا نسمع منها: سوى صوت الشيخ فقط. أعلنَ بعدها: أن سبب مرضي وجود سحر دُّسَّ لي في الطعام من صنع امرأة تسكن معنا في هذا البيت. أصابتنا الدهشة والتعجب والاستغراب. أصر أولادي على: معرفة اسم هذه المرأة، أو الإشارة إلى أوصافها، أو التلميح عن عمرها، لكنه رفض رفضاً، قاطعاً، متعذراً؛ بخشيته من الله. 

لمّا رأيت في عيون أبنائي التصديق بكلماته كأنه مُرسَل من السماء؛ انتفضت في وجهه غاضباً لدرء الفتنة بين الأبناء:   

 - هل تدرك ما تجلبه كلماتك المحشوّة بالسم من: بغض، وتفريق، وحقد بين الأخوان، ودمار شامل لأسرة تنعم: بالمودة، والخير، والاستقرار. إن كنت تخشى الله فعلا؛ لما تفوهت بهذا الافتراء بلا: وجع قلب، أو تانيب ضمير. ما كان ضرَّك، وأنت كاذب، إن قلت: إنَّ الفاعلَ شخص غريب، لا يمت لنا بصلة، ونخرج من كذبتك بأقل الخسائر؟

بعد خروجه من البيت بدأ النزاع بين أولادي الثلاثة، الساكنين معي. كل واحد منهم: يكيل التهم إلى زوجة الآخر كيفما شاء بدون أي دليل. تحولت ألسنة زوجات أولادي التي يتقاطر منها العسل عند الحديث معي، وتسابقهن على خدمتي إلى ألسنة طويلة تردد اسمي في لائحة اللعن، والسباب المتبادل بين الأطراف المتنازعة بدون أي احترام وتقدير. تعددت جبهات الفتنة بمشاركة آباء، وأمهات زوجاتهم الذين حضروا على الفور، ولم يتوانوا عن صب اللوم على شخصي، وإلقاء النصيحة ببيع البيت، وتوزيع الحصص على الأبناء. لكن ما علاقة مرضي: بالنزاع، و بتقسيم الإرث وأنا ما زلت على قيد الحياة؟ ما السرّ الذي يختبئ خلف دفاع أولادي عن زوجاتهم الذي أشغلهم عن علاج حالتي الصحية؟ لماذا صوّبت: الأنظار ، وأصابع الاتهام نحوي: كأنني المتهم الأول لذنب لا أعرف عنه شيئا؟ اشتد ألمي، وانتابتني حالة الإغماء مرة أخرى. أصحو على إيقاع من النزاع: أكثر تشنجا، ورعبا، وخطورة، يتخذ منحى آخر يهدد باستخدام السلاح. ما الذي يحدث في بيتي؟ أنا الذي تسعى  إليه عامة الناس؛ لحل خلافاتهم المستعصية، وإصلاح ذات البين، أصبحت غير قادر على: حل مشكلة بين أفراد عائلتي في البيت. كان صدى صوتي يبث رعبا في الصدور، أما الآن في لحظات ضعفي، وتدهور صحتي تضيع هيبة صرختي في الفضاء تبحث عن أذن صاغية، وقلب مطيع، وهدوء يعصمني من الضجيج. لا أحد ينتبه لي، أو يتألم لمرضي، أو يعير لي ذرة من الاهتمام. ماهي إلا لحظات؛ حتى اتفقوا على الهدف الذي هم فيه مختلفون بتجاوزهم الخط الذي أوصى به الله تعالى في كتابه المنزل، وأقرَّته الأعراف الإنسانية والأسرية؛ لأجد نفسي بعد آخر غفوة صحوت منها: مرميا على قارعة الرصيف، بعيدا عن عتبة باب البيت، مجردا من كل شيء سوى ثوب واحد تعصف به الرياح، تدهشني رؤية أثر بصمة، زرقاء، رطبة على إبهام كفي الأيمن؛ تؤكد تنازلي عن  البيت، وجميع ممتلكاتي عندما كنت في حالة الإغماء.

                           فاضل العذاري/ العراق

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

أنَّى لي بعِمَامةِ أبي

الحمل الوديع

أشواك للبيع