الرداء
ق.ق.~ الرداء
الكاتب ~ عادل عبد الله تهامي ~ يكتب...
«««««««««««««««««««««
(الرداء)
لاحت أمامه الصورة في شريط الذكريات، يرتدي ملابسا رياضية ، وفي يده مضرب التنس الأرضي، والسائق ينتظره بينما كان يسير في ممر طويل ينتهي بساحة كبيرة داخل حديقة القصر ، يبطئ السير ؛ ليستمتع بمنظر الأشجار على الجانبين وعبق الورود بروائح ربيعية تزيد من نشاطه، وتجعله مقبلا على الحياة ، بينما تغرد البلابل والعصافير في تناغم محبب إلى نفسه حتى يصل، فيسرع السائق بفتح الباب مطأطئ الرأس احتراما وتقديرا لشخصه
رغم أنه تجاوز العاشرة بعامين لا غير .
كانت مراسم يفرضها بروتوكول رسمي
وينفذها موظفوا القصر دون أن يطلبها.
يجلس بالمقعد الخلفي يتفحص جرائد اليوم ويتابع مؤشر بورصة القطن ، ويبتسم ؛فالمؤشر في صعود والمحصول
تعج به المخازن ، والدخل سيكون وفيرا
ولن يبخل عليه والده الباشا برحلة لفرنسا اعتادها سنويا كنوع من الترفيه
والثقافة .
لغته الفرنسية تمنحه جنسية من يتحدثونها ، ووجهه المستدير ببياض
الثلج يجعله أوروبيا ، ونشاطه ووسامته
يغدقان عليه لقب برنس رغم أنه لم يغير من جنسيته المصرية التي يعتز بها
ويضعها في مكانة لا يقترب منها جنسية أخرى .
يتوقف السائق أمام باب نادي الجزيرة حتى يفتحوا بوابات إلكترونية فتسير السيارة داخل الممر الطويل حتى ينزل أمام ملعب التنس ،ثم يعود السائق إلى
الجراچ منتظرا انتهاء الحصة التدريبية .
يتنقل بين الصور التي تمر بسرعة عجيبة فيحاول التحكم في حركتها حتى يسترجع زيارته لأحد المصانع الشهيرة بفرنسا لصناعة قطع غيار الطائرات ،وقراره الفردي بأن يفرد وقتا
أطول لهذه الزيارة التي سيرى والده الباشا أنها بعيدة عن القطن وصناعته ..!
تفحص خطوط الإنتاج ، وطلب حينها
تصور لعمل مصنع مماثل بالقاهرة .
تذكر وقتها مراوغة المسؤول الفرنسي
وحرصه على إغلاق باب المناقشة مكتفيا بالقول بأن فرنسا ستبيع لأصدقائها الطائرات وسيكون مع الشحنة قائمة بقطع الغيار اللازمة .
شعر حينها بأن فرنسا تحتفظ بسر الصناعة ولا تقبل بتحرر عملائها من
التبعية .
عندما عاد للقاهرة انشغل بحياته الدراسية وطوى صفحة الطائرات الفرنسية ومصنع قطع الغيار .
أعوام مرت وتبدل الحال غير الحال ..!
عاد إلى بهو الفندق الشهير ،وطلب
قهوته المعتادة تفحص التماثيل المنتشرة لقامات خلدها التاريخ لعلماء
وأدباء فرنسيين مثل عالم الفيزياء لافوازييه ، والكيميائي الشهير لويس باستير ، والأديب الشهير ڤولتير ، بينما
كان يستمع لصوت ماري ماتييه ..
كل ماحوله فرنسي حتى العطور الباريسية وبدلته السوداء من تصميم
فرنسي ،وصولجانه ،وقبعته .
تداعت الأحداث بتراجيديا مؤلمة حين
صدر قرارا جمهوريا بطرده مع أسرته لفرنسا ، يومها تعجب ولكن لم يكن لديه
وسيلة لمقاومة هذا القرار أو تخفيف حدته ..
تنهد حتى خرجت ظفرة من أعماق سحيقة داخل نفسه التي لازالت تئن ،
وتلذذ برشفته الأخيرة وأخذ يلوك قهوته
بين فكيه ، ثم ابتلعها مع ألمه .
أخرج هاتفه النقال وتابع على شاشته أروقة مصنع قطع غيار الطائرات الذي
امتلكه داخل فرنسا بصفته مواطن فرنسي ، وزادت صادراته لمصر في مقابل ملايين من العملة الصعبة .
تفحص مواقع التواصل الاجتماعي
وتابع المصريين ، وشوارع القاهرة العتيقة واحتفظ ببعض الفيديوهات
عن قاهرة المعز ، ومسجد الحسين ،
والغورية وتوقف عند مقهى الفيشاوي
تذكر المكان الذي كان يفضله حتى يتابع
جلسات أدباء زمن أديب نوبل ، وتحركت مشاعره حين عاد لغرفته، وفتح التلفاز على قناة تعرض فيلما عن
أعمال نجيب محفوظ ،تتبع الحواري والأزقة ، وأنصت لصوت الباعة الجائلين
وبضاعتهم التي جذبت السائحين ..!
ترقرت عيناه بالدموع ،وتوسد سريره
إلا أن الهاتف أيقظه من غفوة كاد يغيب فيها ، فنزل في سرعة عبر المصعد ، واستقل سيارته يتابع الشوارع تنساب
كشلال بين منطقة جبلية تحيطها جنة من الخضرة والورود ، حتى وصل لمصنعه الشهير تزينه طائرة فرنسية
ماركة رافال حديثة الصنع ..!
عادل عبد الله تهامي السيد علي
مصر

تعليقات
إرسال تعليق