المظلة



 قصة ~ المظلة

الكاتب ~ عبد الرحيم ساعدوني ~ يكتب ..

«««««««««««««««««««««

المظلة

في ظروف خاصة، بدا لي أن أبي مثل المظلة تماماً، نتذكرها فقط حين تتلبد السماء بالغيوم لتخبرنا أنها ستمطر؛ بمجرد أن تشرق الشمس ويعتدل الجو تختفي المظلة بعيداً عن الأنظار في فراغ صغير قرب الثلاجة أو مع الأحذية تحت السلالم. في بيتنا كانت هناك أواني نحاسية قديمة تتذكرها والدتي من حين لآخر، تخرجها من أماكنها وتقضي وقتاً طويلاً لإزالة الغبار عنها وتلميعها بعناية خاصة، وكان أبي ينظف ويلمع أحذيته القديمة، لكن لا أحد كان يتفقد المظلة. تظل هناك منسية مرمية إلى أن تتغير أحوال الطقس، أو بعبارة أخرى إلى أن نحتاج خدماتها من جديد فنبحث عنها للاستعمال الذي خُلِقَتْ من أجله دون أن نفكر في أهميتها أبداً.

كان أبي يختفي طوال اليوم في ورشة النجارة ولا نتذكره إلّا في الطوارئ: تغيير أنبوبة الغاز الفارغة، إحضار دواء مستعجل من الصيدلية، استخراج شواهد رسمية من المصالح المختصة (عقود الازدياد مثلاً)، نسخها والمصادقة عليها، أداء فواتير استهلاك الماء والكهرباء، الإمضاء على كل وثيقة تحتاج توقيع ولي الأمر، ... والأهم من كل هذا وذاك، كان هو من يدفع حين نشترى. لم نكن نتساءل كيف ومن أين تأتي النقود، وهل هناك نقود أصلاً، ولكننا كنا نعتبر أنه وُجِدَ ليدفع. صحيح أنه كان دائماً ينبهني أنا وأمي إلى إقفال الصنبور جيداً بعد الاستعمال وعدم الإفراط في استهلاك الكهرباء. كان يقول أن مصباحاً واحداً يكفي لإنارة البيت بأكمله، "ولكننا قوم (أنا وأمي) نحب الضياع".

داخل البيت كان أبي هو من يصلح مفاتيح الكهرباء ويغير المصابيح المعطلة، يفتح النوافذ والقوارير المستعصية عن الفتح، وينزل السلالم المظلمة ليلاً لجلب أي شيءٍ احتجناه في آخر لحظة. كان يُنادى عليه للتخلص من حشرة زاحفة هنا أو أخرى طائرة هناك، وكان هو من يتكلف بكل ما يتعلق بأضحية العيد كل سنة.

وذات صباح، لم ينهض أبي ليصلي الفجر ويذهب الى العمل. أدركت آنذاك أن الرجل الممدد في فراشه إنسان من لحم ودم، يتعب ويمرض ككل الناس رغم أنني لم أسمعه يتألم ولو مرة واحدة في حياتي، وقد ينتقل إلى الرفيق الأعلى في أية لحظة. كان يبتسم وهو يحاول جاهداً أن يطمئننا أنا والسيدة الوالدة بأنها وعكة خفيفة ستزول ببعض المسكنات وبعض الأعشاب. آنذاك أنها لم تكن وعكة خفيفة ولن تنفع فيها الأعشاب. تساءلت بخوف وهلع كيف سنمشي أنا وأمي تحت المطر بدون مظلة.

مراكش 15/09/2024

عبد الرحيم سعدوني


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

أنَّى لي بعِمَامةِ أبي

الحمل الوديع

أشواك للبيع