سجون النفس
قصة ~ سجون النفس
الكاتب ~ إدريس أبو رزق ~ يكتب...
«««««««««««««««««««««
سجون النفس
كان الزمان والمكان يرقصان على إيقاع التردد والتناقض. لا شيء في عالم "نادر" كان كما يراه الآخرون. كان يعتقد أنه إنسان عادي، لكنه كان يعيش في عالم غير عادي؛ عالم تتداخل فيه الحقيقة مع الوهم، وتفصل بينهما حافة ضبابية لا تكاد تُرى. نادر كان في السابعة والثلاثين من عمره، يعيش وحيدًا في شقة صغيرة، لا علاقة له بالعالم من حوله. كان يبدو للآخرين شخصًا هادئًا، بل قد يظن البعض أنه سعيد، لكن الحقيقة كانت أن قلبه كان مغلقًا بإحكام، وغرفه الداخلية مليئة بالألم والكآبة.
في طفولته، نشأ نادر في منزل يبدو تقليديًا، حيث كان أبوه جنديًا سابقًا وأمه امرأة غارقة في الخوف والشكوك. تعلم نادر في صغره أن الحياة صراع مستمر، وأنه يجب عليه دائمًا أن يكون قويًا، أن يخبئ مشاعره، أن لا يظهر ضعفه أبدًا. لم يكن يعلم أن هذه الدروس التي تلقاها في صغره كانت بمثابة بذورٍ زرعها والده في عقله، بذور تتغذى على الخوف من الضعف والحاجة إلى السيطرة.
لكن تحت هذا السطح الهادئ، كان نادر يعيش صراعًا داخليًا لا يستطيع السيطرة عليه. كان يشعر أنه محاصر داخل نفسه، وعقله أصبح قفصًا لا يستطيع الهروب منه. أفكار متشابكة تهاجم ذهنه طوال الوقت، يشك في كل شيء من حوله، حتى في الأشياء التي يعرف أنها حقيقية. كانت حياته تتآكل من الداخل، يشعر وكأن كل لحظة تمر تعيد إليه شعورًا بالضياع والفراغ.
مرت سنوات طويلة على هذه الحالة، وكان نادر يتعامل مع نفسه كما لو كان أحد الجلادين. كان يعاقب نفسه على كل خطأ، صغيرًا كان أم كبيرًا، وكان يظن أن الحياة نفسها هي عقوبة لا تنتهي. لكنه كان يواجه مشكلة أكبر من مجرد عدم قدرته على الخروج من هذا السجن الداخلي؛ كان يعاني من شيء أعمق، شيء غير مرئي لكن قوي. كان يعاني من الاضطراب العقلي الذي يُسمى "الرهاب الاجتماعي"، الذي يجعله يشعر وكأنه سجين في جسده، لا يستطيع أن يتنفس بحرية، ولا أن يتحدث مع الآخرين بدون أن يشعر بالخوف من حكمهم عليه.
بدأ نادر في عزلة تامة. عزل نفسه عن أصدقائه، عن عائلته، وحتى عن زملائه في العمل. كانت فكرة الاختلاط بالناس بالنسبة له كالسير في ميدان من الألغام. في كل مرة يضطر فيها إلى التفاعل مع الآخرين، يشعر بالرهبة والقلق، وكأن العالم كله يراقبه بعيون مريبة. هذه الكوابيس النفسية كانت تلاحقه في كل لحظة، حتى في أحلامه. كانت الأصوات في رأسه تعلو وتتحكم في كل ما يفعله. كل خطوة كان يتخذها، كل كلمة كان ينطق بها، كانت هناك أصوات تحاسبه وتلاحقه، وكأن الكون كله يتآمر ضده.
لكن مع مرور الوقت، بدأ نادر في ملاحظة شيء غريب. بدأ يشعر وكأن الحياة قد بدأت تأخذ شكلًا مختلفًا في ذهنه. كانت الأفكار تتداخل وتتراكم بشكل غير منطقي، كأنما هو يعيش في بعدٍ آخر، حيث تصبح كل فكرة ثقيلة ومرهقة. كان يضطرب في النوم بسبب هذه الأفكار المتسارعة، وأحيانًا، يشعر وكأن عقله قد خرج عن السيطرة تمامًا.
في إحدى الأمسيات الشتوية، وبينما كان يجلس وحيدًا في غرفته المظلمة، قرر نادر أخيرًا أن يفعل شيئًا. "لقد حان الوقت لإنهاء هذا"، هكذا قال لنفسه. بدأ في تخطيط شيء لا يعلمه إلا هو، ولكن كان لديه شعور غريب أن هذه اللحظة ستكون نهاية لكل شيء. كان متأكدًا أنه إذا لم يفعل هذا الآن، سيظل عالقًا في دوامة لا تنتهي من المعاناة.
وصل نادر إلى مرحلة من اليأس بحيث بدأ يعتقد أن الموت سيكون الحل الوحيد. "الموت سيحررني من نفسي"، قال هذه الكلمات بصوت خافت، كأنها جزء من حلم مرير. لكن عندما بدأ في اتخاذ خطواته نحو هذا القرار، وقع شيء غير متوقع. تسلل إلى فكره مثل ضوءٍ خافت في منتصف الليل: هل الحياة حقًا هي السجن الذي أعيش فيه؟ أم أن السجن هو فقط في ذهني؟
وهكذا، بدأ نادر في رحلة جديدة، رحلة إلى أعماق نفسه. قرر أن يعيد ترتيب أفكاره، أن يواجه نفسه لأول مرة. لكن الأمر لم يكن سهلاً، بل كان مليئًا بالألم. كان عليه أن يواجه الظلال التي طالما هرب منها، أن يعترف بخوفه، بألمه، بكل الجروح التي كان يظن أنه نسيها. لكنه مع كل خطوة كان يقترب من الفهم. بدأ يفهم أن ألمه لم يكن بسبب الآخرين أو الظروف، بل كان بسبب رفضه تقبل نفسه كما هي.
مع مرور الأيام، بدأ نادر يلاحظ تحولًا في نفسه. في البداية، كان الأمر صعبًا. كان يشعر وكأن جدران عقله قد تحطمت، وكل شيء من حوله أصبح غير مستقر. لكنه مع كل لحظة كان ينظر إلى نفسه، يرى الضعف الذي كان يخاف منه، ويقبله، ويشعر بسلام داخلي. لم يكن هناك حل سحري، لكن نادر بدأ في فهم أن الفهم والتصالح مع الذات كان هو السبيل الوحيد للخروج من السجن الذي بناه في عقله.
في النهاية، لم يعد نادر كما كان. أصبح أكثر هدوءًا، أكثر تصالحًا مع نفسه. لم يُشفى تمامًا، ولكن بدأ يرى الحياة بعيونٍ جديدة، عيونٍ لا ترى السجون إلا كأوهام. كان قد بدأ في تحرير نفسه من القيود التي وضعها بنفسه. لكنه، مع ذلك، كان يعلم أن الطريق لن يكون سهلاً، وأنه لا يزال في بداية الطريق. ولكن الآن، كان يملك القوة لمواجهة نفسه، وكان يعرف أن هذه هي أولى خطوات الحرية.
من مجموعتي القصصية " أنفاس الوداع " الكاتب إدريس ابورزق

تعليقات
إرسال تعليق