ذنوب في الخفاء
ق.ق ~ ذنوب في الخفاء
الكاتبة ~ سحر الياسين ~ تكتب...
«««««««««««««««««««
ذنوب في الخفاء
في المدينة التي لا تنام، حيث الأرصفة تحفظ أسرار العابرين، كان يسير “هو” كل ليلة متوشحًا برداء الوقار، يطرق الأبواب بكلمات طيبة، ويمسح على رؤوس ألأيتام بنظراتٍ من رحمة مصطنعة. لم يعرفه أحد باسمه الحقيقي، حتى اسمه في دفتر الملائكة كان يُكتب بالحبر الخافت. كان إذا سُئل عن حياته، أجاب بجملة واحدة: “أزرع الخير حيث لا ترونه.” لكن الأرض لا تنسى خطى الليل، والسماء لا تغفل عن أعينٍ تُغمض لتُبصر الخفاء. في الغرفة التي أطفأ فيها النور، كانت خطاياه تنمو كعفنٍ في الظل، لا ضوء يفضحها، ولا ضمير يوقظها. شاشة صغيرة كانت محرابه المظلم، وكلمات همس بها لهواه كانت كالسُّم يُرشّ على قلبه ببطء، دون أن يشعر. كان يعود كل فجر، يغسل وجهه بماء التوبة الباردة، ويؤذن في داخله صلاةً لا يسمعها سواه. لكن الذنوب، وإن تخفّت، لها رائحة، تمامًا كالأزهار المسمومة، جميلة للعين، قاتلة للروح. مرت الأعوام، وتعالت صورته بين الناس، يثنون عليه ويظنون به الصلاح، وما عرفوا أن الليل كان يشهد ضده. وفي ليلةٍ غابت فيها النجوم، سقطت ورقة من دفاتر القدر، كُتب فيها: “هذا يومٌ تُبلى فيه السرائر.” انكشفت سترته البيضاء، فبانت عليها بقع لا تُغسل بالماء، ولا تُمحى بالاعتذار. عند قبره، لم تبكِه سوى العتمة التي أحبّها، وذرفت السماء عليه مطرًا حزينًا، كأنها تُطهّر الأرض من أثره .. سحر الياسين / العراق. ٢٧ / ٧ / ٢٠٢٥

تعليقات
إرسال تعليق