توأمُ المنفى
قصة ~ توأمُ المنفى
الكاتب ~ منير بهري ~ يكتب...
««««««««««««««
توأمُ المنفى
"ثمّة حقائب لا تُحمل، بل تحملنا نحن.
في كلّ جرٍّ لها، تعبر ذاكرةٌ ما..."
حين انحدرت عجلات الحافلة نحو المدينة،
كان هو يسحب حقيبته بيدٍ متعبة.
حقيبةٌ حبلى، تهتزّ داخلها
أنفاسُ الزمن، وفتاتُ ذكرياتٍ
غمرها الغبار، ونسيتْها الشمس.
جرّها على الأسفلت
كمن يقتلع شجرةً عجوزًا من جذورها.
تتمنّع، وتئنّ، وتجرجر حنينها،
كطفلٍ يشهق بالبكاء في صباحه المدرسيّ الأول،
بينما تشيّعه أمٌّ
بجبينٍ مقطّب ويدٍ لا تذعن لرجائه.
هو لاجئٌ... وهي حقيبته.
لكنّ بينهما ما يتجاوز التسمية،
ما يتجاوز القماش والسحّاب والمعابر.
خيطٌ رفيع،
كأنّه الضوء المتسلّل بين الأبيض والأسود
في فجوة الفجر.
كأنّهما - هو وهي -
ذاكرةٌ تسير على قدميْن.
في كلّ محطة،
تتهجّى الحقيبة اسمها من جديد.
من سيارة إلى أخرى،
من يدٍ إلى يد،
والمدينة تستقبلهم كجوفِ الوحش.
الأسفلت ساخن،
والشوارع تلتهب دون لهب،
تبتلع كلّ شيء،
ولا تترك أثرًا سوى ظلّ غائب.
في آخر اليوم،
أخرج حقيبته من صندوق السيارة،
ووقف أمام فندق
تدلّت فوق بابه لمبةٌ خافتة
ترتجف كشمعة في جنازة.
كان الفندق يشبه كنيسةً مهجورة،
ويشبه عجوزًا
تجلس في ركن بيتها
تتلو صلاة الغائب
بلا أحد يسمع.
دخل الغرفة.
وضع الحقيبة على الأرض... فشهقت،
كأنّها تنفّست أخيرًا،
تحرّرت من جَلد الطريق،
وأسقطت من جوفها
حنينًا مرصوصًا كعظامٍ في تابوت.
فتحها كما يُفتح كتابٌ قديم،
وبدأ يتلمّس ملابسه.
ألوانها كثيرة،
كأيامه التي تغيّرت دون أن تتجدّد.
كلّ قميص كان يحمل رائحةَ منفى،
وكلّ بنطال كان يتدلّى منه سؤالٌ لم يُجب.
تركها هناك،
وخرج يبحث عن "جديد"
يعود به إليها.
شيءٌ صغيرٌ تستأنس به،
تعرف أنّه لم يكن عبثًا هذا السفر.
لكن المدينة
كانت جرداء،
خاليةً من الدهشة،
متخمةً باللاشيء.
عاد إلى غرفته
بجيبٍ فارغ
وقلبٍ مثقوب.
وفي الفجر،
حمل حقيبته بتؤدة،
كما يُحمل طفلٌ نائم،
خائفٌ أن يصحو على وجهٍ لا يعرفه.
وقفل عائدًا…
لا إلى وطن،
بل إلى الذكرى.
منير بهري

تعليقات
إرسال تعليق