كما تكونون يُولّى عليكم



 ق.ق. ~ كما تكونون يُولّى عليكم 

الكاتب ~ ماهر اللطيف ~ يكتب...

«««««««««««««««««

"كما تكونون يُولّى عليكم"

بعد أن أتمّ صلاة الفجر جماعةً في مسجد الحي، عاد "سيدي" إلى المنزل ككل يوم، واتجه صوبي مباشرةً، أطلق عليّ تحية الصباح، وتلا ما تيسّر من القرآن بصوته العذب، وأنا أستمتع، أسترخي، أذوب شوقًا ورغبة في مزيد من إشباع وازعي الديني وتنميته في كل لحظة.

فتح تطبيق "يوتيوب" على هاتفه الجوّال وأسمعني السمفونية السابعة لبيتهوفن، فلم أعد أشعر بشيء ولا بأحد إلى جانبي.


ثم فتح باب القفص بلين، أدخل يده، قبض عليّ برقة وحنان، أخرجني، قبّلني، مسح على كامل جسدي، نظّفني، سرّح شعري، ووضعني في قفصٍ ثانٍ متواجد في الركن الآخر من شرفة بيت نومه المطلة على الشارع مباشرة.

زقزق بفمه زقزقاتٍ متتالية، فقمت بمثلها في الحال، ردًّا لهذه التحية.


نظّف قفصي، أزال منه كل الأوساخ والأدران، ملأ كأسي ماءً، وضع لي طعامي وكل ما أستحقه، ثم أخذني بلطف وهو يمازحني، يتغزّل بي، وتنطق شفتاه أشعار نزار قباني الغزلية بصوت طربي عذب.

وضعني في مكاني بعد أن ثبّت "سجني" في موضعه، وتأكد من عدم ولوج أشعة الشمس الحارقة إلى أساوره الحديدية، وأرجع الباب، لكنه نسي غلقه بإحكام كعادته، إثر انشغاله بتبادل الحديث مع أحدهم عبر الهاتف الذي رنّ في هذا الوقت بالذات.


غادر المكان بسرعة وهو يقول بلكنة حزينة وشاحبة:

"يا لطيف، يا لطيف، يا لطيف".

فاستغللت الوضع، واعتبرته فرصة ذهبية، طرتُ خارجًا ناشدًا الحرية والانعتاق، الكرامة والسعادة المطلقة، الحلم والتخطيط لغدٍ أفضل...


لكنني وجدت صعوبة كبرى في الطيران؛ لم يستجب جناحي، لم تطاوعني ساقاي، لم ينطلق جسدي ويندفع، تثاقلت، ترددت، خانتني القوة والشجاعة.

ومع ذلك، كنت في الهواء أخيرًا، أنظر إلى الأرض التي كانت تحبسني من علٍ، وأنا سعيد، فخور بنفسي، مبتهج...


اعترضني سرب من الطيور المهاجرة، أطلقت عليهم التحية وواصلت طريقي، ولم أسمع جوابًا من أحدهم.

تقاطعت مع مجموعة من الحمام، فتجاهلوني.

ثم التقيت بفيلق من الطير الزاجل، فسخروا مني ومن حالتي الرثّة، حسب ما سمعت أحدهم يقول.

كما صادفت مجموعة من أبناء جنسي ونوعي، فتركوني وفرّوا...


وبقيت كذلك، أطير يمينًا ويسارًا، في كل الاتجاهات، تائهًا، ضائعًا، هائمًا، لا هدف لي ولا مقرّ أقصده، لا عائلة ولا قبيلة أستأنس بها وأعيش بينها، لا أعلم شيئًا ولا أفقه ما يدور حولي...


فهل هذه هي الحرية؟ العدالة؟ الديمقراطية؟ حرية الرأي والتعبير؟

كيف لي أن أحلم؟ أخطط؟ أنشد مستقبلًا أحسن من حاضر حالك على جميع المستويات؟

إلى أين المفر؟ ما العمل؟


سبحت فجأة في أعماق بحر الذكريات وأنا في السماء عاليًا، وتذكّرت يومًا كان "سيدي" يخاطب ابنه البكر "مسعود"، بعد أن رسب في الدراسة ذات سنة من السنوات، ولم يتجاوز حينها العاشرة من عمره:


– كلّ تغيير لم ينبثق من الداخل، من الذات، لا يُعتبر تغييرًا،

بل مجرّد تحوّل من حالة إلى أخرى.


– (لم يفهم شيئًا): أليس التحوّل نوعًا من التغيير؟


– (مقاطعًا وهو يبتسم): هو كذلك، بُنيّ. لكن حديثنا الآني يهتم بالتغيير الجذري، بعيدًا عن الترقيع، الترميم، إيجاد حلول وقتية ونحوها.

نحن ننشد اقتلاع كل قديم وتسويته بالأرض، وتأسيس أسس صحيحة وسليمة نبني عليها أحلامنا وأمانينا، نخطّط ونشيّد أهدافنا دون تردد أو توجّس أو خوف من الفشل...


ومنذ ذلك الوقت، كان مسعود شخصًا عاديًّا، فأمسى بعد سنواتٍ شخصية مرموقة، ناجحة، رمزًا من رموز البلد، ومرجعًا من مراجعها التي يُعتدّ بها في أكثر من مجال وصعيد.


ومع ذلك، فقد واصلت التحليق وملاقاة الطيور بأنواعها وأشكالها المختلفة، ولم أجد منها الترحاب، ولا التجاوب، ولا التفاعل، ولا التواصل؛ بل كان أغلبهم يغتاب بقية الطيور الأخرى، يهتك أعراضها، يفتن بينها، يحسدها، يكيد لها وينال منها، ويرشد الصيادين عن أماكنها بغية التخلص منها...


وهذا ما جعلني أعود على أعقابي، أبحث عن منفذ وطريق أسلكه لأعود أدراجي نحو سجني وسجاني؛ فهما – في تلك اللحظة – مثال الحرية والعدالة والانعتاق، ما لم أكتسب مهارة التغيير الجذري، وأتسلّح بأسلحته الفتّاكة من نوع: الإرادة، المقدرة، التوكل على الله، التخطيط السليم، وغيرها...


وبعد جهدٍ جهيد، وجدتني في قفصي ثانية، وسيدي حزين حزنًا لا يوصف من جرّاء فقدي – وهو يتساءل عن كيفية هروبي ومن ساعدني على ذلك، رافضًا تمامًا فكرة نسيانه للباب مفتوحًا –، ثم فرح إذ رآني، وزقزق مجددًا فبادلته التحية.

طلبتُ منه الانتباه مستقبلاً، والتأكّد من إحكام غلق باب زنزانتي، حتى لا أفكر مجددًا في الهرب في الوقت الراهن...


وكنت على وشك أن أطلب منه أن يغطي قفصي بستارٍ سميكٍ أسود اللون، أو صندوقٍ حديديّ، ليعزلني عن العالم الخارجي الذي سئمتُ العيش فيه، لكنني خفت أن أختنق، أفقد وعيي، أموت، ولا يشعر بي أحد إلا عند تسرب رائحة هذه الجثة المتحللة.

بقلم - ماهر اللطيف

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

أنَّى لي بعِمَامةِ أبي

الحمل الوديع

أشواك للبيع