حجر في جيب الشمس



 قصة ~ حجر في جيب الشمس 

الكاتب ~ منير بهري ~ يكتب..

««««««««««««««««

حجر في جيب الشمس


كانت الشمس في قرية النبي صالح لا تشرق من السماء فقط.

كان لها قدمان صغيرتان، وجدائل حمراء، وعيون تعرف كيف تحدّق دون خوف.

لم تكن "عهد" تفكر في النضال كما يفكر الكبار.

كانت فقط تريد أن تبقى أمها قربها،

أن يعود أخوها من ذلك المكان الذي لا نوافذ فيه،

أن تنام دون أن تقفز القنابل من الأحلام إلى الجدران.

لكن القرية، منذ أن بدأت تتذكر، كانت ترتجف بعد كل صلاة جمعة.

جندي على الدرجات، قنبلة صوت على الباب، وطفولة مثقوبة بالغاز.

في صباح شتوي، ارتدت كنزتها الصوفية،

وأدخلت حجرًا صغيرًا في جيبها.

لم تكن تنوي أن ترميه.

كان مجرد ثقلٍ تطمئن إليه ... كأنها تحمل قطعة من الأرض لتتوازن.

قالت لها أمها:

- "لا تذهبي اليوم... الجو ممطر، والجنود عصبيون حين تبتل البنادق".

لكنها ذهبت.

كانت صغيرة بما يكفي ليشك الجندي أنها قد تكون خطرًا،

وكبيرة بما يكفي لتقرأ في عينيه شيئًا لا يشبه الأوامر.

حين اقترب، كان وجهه مثل جدار.

رمقته.

لم تصرخ. ولم تبكِ.

رفعت يدها اليمنى، ولوّحت له كما يلوّح الأطفال لبعضهم عند وداع المدرسة.

لكن عينيها كانتا تقولان شيئًا آخر ... شيئًا خامدًا ومشتعلًا في آن.

وقف لثوانٍ،

مترددًا بين أمرٍ عسكري وغصّة في الحنجرة،

ثم مرّ من أمامها،

لكنه خلّف خلفه شقًّا صغيرًا في الجدار، لا يُرى ... ولا يُنسى.

في المساء، اقتحموا البيت.

أخذوا أمها.

ولما عادوا، أرادوا أن يأخذوها أيضًا.

كانت تنظر من النافذة،

ترتب خصلات الضوء في شعرها،

كأنها تهيئ الشمس للغروب على كتفها.

حين فتحوا الباب، لم تصرخ.

قالت فقط:


- "سآخذ حجري معي". 

في الزنزانة، كان الصمت كثيفًا، يشبه بلّورًا مكسورًا.

لكنها كانت تحكي للأرض،

تغني للبلاط البارد،

وترسم في ذهنها بيتًا من تراب لا ينهار مع أول قذيفة.

ليلةً، حلمت أن السجن كنغر،

وهي فرخ صغير، يركض في جيب من جلد وطنه.

وحين استيقظت،

شعرت أن الجدران أقرب إلى التراب منها إلى الخرسانة.

سألتها سجينة قديمة:

- "عيناكِ ليستا لعمرٍ صغير. من أين لكِ هذه النار؟" 

فأجابت عهد:

- "رضعتها مع حليب أمي".

كانت تعرف أن العالم في الخارج لا يقرأ ما تكتبه الجدران.

لكنها كانت تكتب.

كل يوم، جملة واحدة على البلاط، بالظفر أو عود مكسور:

- "أنا لا أريد أن أكون بطلة ... فقط لا أريد أن أخاف". 

حين خرجت، لم يكن الشعر قد طال كثيرًا،

لكن الأرض التي تحت قدميها كانت أطول.

وأمها، حين ضمّتها، لم تبكِ.

فقط همست:

- "الحرية لا تُربّى. إنها تولد".

في اليوم التالي، كانت عهد تسير في المظاهرة

كأنها تمشي على خريطة غير مرئية،

تتبع خطوطًا لا يراها سواها.

كان في جيبها حجر.

لكنه هذه المرة، كان أخف.

كأن الأرض صارت تمشي معها.

عند منعطف الشارع، توقفت.

نظرت إلى طفل يقف على الرصيف،

يراقبها كما لو كان يقرأ سطرًا من كتاب غريب.

ابتسمت له،

أخرجت الحجر من جيبها،

ووضعته بين يديه،

وقالت:

- "دورك أن تحمله ... لا أن ترميه".

ثم مشت.

وراءها، لم تكن الشمس تغرب كانت تعود إلى الأرض.

الكاتب منير بهرى .المغرب

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

أنَّى لي بعِمَامةِ أبي

الحمل الوديع

أشواك للبيع