قَطْرَةُ نَدَىٰ
ق.ق ~ قَطْرَةُ نَدَىٰ
الكاتب ~ عادل ابو العز الرحبي ~ يكتب...
««««««««««««««««««««
قَطْرَةُ نَدَىٰ
ـــــــــــــــــ
في مدينةٍ هجرت سماءَها غيومُ المطر، وسكن العطشُ جدران منازلها. لم تعد الطيور تغني فيها، ولم تعد الأمهات يطبخن الحساء، لأن الحساء صار حلمًا مائيًا لا يُرتجىٰ.
كانت الطفلة نَدىٰ، بجديلتيها المربوطتين بخيطٍ أزرق باهت، تحمل قنينة بلاستيكية نصف مهترئة، وتمشي حافية القدمين إلى الساحة حيث يقف الناس في طابور طويل، أطول من ظلّ المسجد وقت المغيب.
الطابور يتحرك ببطء، مثل نهر يحتضر، ونَدىٰ تنتظر، ويدها الصغيرة تقبض على القنينة وكأنها كنز. كانت تغني لنفسها أغنية قديمة علمتها إياها جدتها قبل أن يذبل صوت الجدة ذات عطش.
كانت الشمس حارقة، لكن نَدىٰ لم تشتكِ منها، لأنها تعلمُ أن الماء لا يُعطى لمن يئن، بل لمن يصبر.
مرّت ساعات، سقط طفلٌ بجوارها من شدة التعب.
حملوه بعيدًا، وعاد الطابور للصمت. كانت نَدىٰ تقترب... خطوتين فقط،
فقط قطرتان تفصلانها عن الحياة.
وأخيرًا.. وصلت أمام الصنبور.
مدت القنينة. نظرت إلى العامل خلف الحاجز الحديدي بابتسامة مشرقة كأنها تقول:
ـــ انظر! ما زال في العالم أطفالٌ يبتسمون.
لكن العامل أغلق الصنبور فجأة.
ثم نظر إليها بعينين متعبتين
وهمس:
ـــ معذرةً يا صغيرتي لقد نفد الماء...
تجمدت نَدىٰ في مكانها. نظرت إلى القنينة الفارغة، ثم إلى السماء... ثم سقطت.
تدحرجت القنينة على الأرض، واستقرت عند قدمَي رجلٍ عجوز، رفعها ببطء، وحدّق في جسدِ نَدىٰ المسجىٰ على التراب.
عند الغروب، وفي وسط تلك المدينة العطشىٰ، سُجِّلتْ قَطرَةٌ أُخرىٰ في دفترِ الخسارات....
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بقلم/ عادل_أبوالعز_الرحبي
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

تعليقات
إرسال تعليق