شاشةٌ زرقاءُ
ق.ق. ~ شاشةٌ زرقاءُ
الكاتب ~ د. إبراهيم مصري النهر~ يكتب..
«««««««««««««««««««««««
شاشةٌ زرقاءُ
كنتُ آخرَ رجلٍ في الحارةِ ما زال يحمل هاتفًا صغيرًا قديمًا بأزرارٍ كبيرةٍ وشاشةٍ خضراءَ باهتةٍ. كنتُ راضيًا به، أستخدمه لإجراءِ المكالماتِ الضروريّةِ أو لإرسالِ رسالةٍ قصيرةٍ حينَ أضطرُّ. لكنَّ الحياةَ تغيَّرتْ بسرعةٍ.
كلُّ من حولي صار يملك هاتفًا حديثًا، شاشةً لامعةً ممتدّةً من طرفٍ إلى طرفٍ، ألوانًا ساحرةً، وتطبيقاتٍ غريبةً تفتح لك العالمَ. حتى زوجُ أختي الأخرقُ، الذي كان بالكاد يقرأ جريدةً قديمةً، صار يتحدث عن الإنترنتِ كأنّه خبيرٌ في وكالةِ فضاءَ.
في البدايةِ، لم أهتمَّ. كنتُ أقول في نفسي:
ــ ما حاجتي لكلِّ هذا؟
لكنّي ذاتَ يومٍ، بعدَ ضغطٍ من الجيرانِ ومن "الحاجةِ" أمِّ سامي، قررتُ أن أشتريَ هاتفًا حديثًا. بعتُ ساعةً قديمةً ورثتُها عن أبي، وأضفتُ عليها جزءًا من راتبي، وعدتُ للبيتِ وأنا أحمل الهاتفَ الجديدَ وكأنني عدتُ من الحربِ منتصرًا.
---
في الليلةِ الأولى، ظللتُ أقلِّب الشاشةَ كطفلٍ أُهديَ له لعبةً لم يرَ مثلَها من قبلُ. أنشأتُ حسابًا على ذلك الشيءِ الأزرقِ الذي يتحدثون عنه جميعًا. وفجأةً، كأنني فتحتُ نافذةً على عالمٍ آخرَ: وجوهًا مألوفةً من الماضي، أصدقاءَ دراسةٍ، زملاءَ عملٍ، بل وحتى ابنَ عمّي الذي هاجر قبلَ عشرِ سنواتٍ.
بدأتُ أتصفّح الصورَ. الناسُ يبتسمون أمامَ بيوتٍ واسعةٍ، يركبون سياراتٍ براقةً، يسافرون إلى أماكنَ لم أسمعْ بها إلا في الأخبارِ. وأنا؟ أنا جالسٌ في غرفةٍ صغيرةٍ، جدرانُها متآكلةٌ، أريكةٌ قديمةٌ، وطلاءُ السقفِ يتساقط عند كلِّ مطرٍ.
---
في اليومِ التالي، لم أستطع النومَ. ظللتُ أتأمل تلك الصورَ، وأقارنُ بينها وبين حياتي. كنتُ أظنني فقيرًا، نعم، لكنني لم أكن أعِي حجمَ فقري. كنتُ أعيش ببساطةٍ، أتناول طعامي وأضحك مع زوجتي وأطفالي، ولا أرى عيبًا في ذلك. لكن الهاتفَ الجديدَ أضاء كلَّ شيءٍ. فجأةً رأيتُ بيتي كما هو: غرفةً مزدحمةً بالأثاثِ المتهالكِ، ستارةً مهترئةً، وجدارًا تصدّع منذ الشتاءِ الماضي ولم أصلحْه.
صرتُ أنظر إلى زوجتي وهي تطبخ وأتساءل في داخلي:
ــ لماذا لا تبدو مثلَ نساءِ الصورِ؟
---
مع مرورِ الأيامِ، بدأ كلُّ شيءٍ ينهار داخلي. لم أعُد أحتمل رؤيةَ بيتي كما هو. صرتُ أتذمر من الطعامِ، من الأثاثِ، من صوتِ التلفازِ القديمِ. اشتريتُ علبةَ طلاءٍ وبدأتُ أجدّد الجدرانَ، حاولتُ أن أرتّب المكانَ ليبدو "حديثًا" مثلَ صورِ الآخرين.
لكن كلَّ ما فعلتُه بدا سخيفًا. فالطلاءُ الجديدُ لا يخفي الرطوبةَ في الزوايا، والأريكةُ القديمةُ مهما وضعتُ عليها غطاءً جديدًا، تظلُّ أريكةً قديمةً.
---
ثم جاء اليومُ الذي نظرتُ فيه إلى نفسي في المرآةِ الأماميةِ للهاتفِ. كنتُ أبحث عن وجهٍ جديدٍ، عن رجلٍ يشبه هؤلاء الذين أراهم في الصورِ. لكنّي لم أرَ سوى وجهي نفسَه: متعبًا، مُرهقًا، بملامحَ رجلٍ استنزفتْه الحياةُ.
في تلك الليلةِ، جلستُ طويلًا أمامَ الشاشةِ الزرقاءِ، ثم أطفأتُها فجأةً. شعرتُ بأنّ هذا النورَ لا يضيء حياتي بل يفضحُها. في الصباحِ، نزعتُ شريحةَ الهاتفِ الجديدةَ وأعدتُه إلى علبتِه. وضعتُه في الخزانةِ، وأعدتُ تشغيلَ هاتفي القديمِ الصغيرِ.
قالت لي زوجتي بدهشةٍ:
ــ ما الذي جرى؟
ابتسمتُ بمرارةٍ وقلتُ:
ــ النورُ جميلٌ يا أمَّ سامي… لكنَّ العيشَ في الظلامِ أرحمُ.
---
ومن يومِها، صرتُ أرى هاتفي القديمَ كصديقٍ وفيٍّ. لا يفتح نافذةً على عالمٍ لا أملِكُه، ولا يذكّرني كلَّ يومٍ بأنني أعيش في فقرٍ مدقعٍ. أحيانًا، في ليالي الصيفِ، أجلس في الشرفةِ المتهالكةِ، أستمع لأصواتِ الجيرانِ وهم يضحكون، وأفكر: ربّما كان الظلامُ أحنَّ علينا ممّا نظنُّ.
بقلم: د. إبراهيم مصري النهر

تعليقات
إرسال تعليق