عَضَّةُ كَلْب
ق.ق ~ عَضَّةُ كَلْب
الكاتب ~ د. صبري غانم ~ يكتب...
««««««««««««««««««
عَضَّةُ كَلْب
حين خُطِبَتِ الدكتورةُ سَماح، ابنةُ العمدة، لمهندسِ المدينة صاحبِ الجاهِ والثروةِ والنفوذ، تغيَّرَ شكلُ القرية.
لم يسألْ أحدٌ عن قلبِها،
ولا عن إن كانت قد ابتسمتْ و نظرت إلى الأرض حياء حين قيلَ لها اسم العريس.
السؤالُ الذي تردَّد في الدكاكين، وعلى المصاطب، و بعد صلاةِ العصر:
— المئةُ فدّان… هتروح فين؟
قال عمُّ صابر البقال، وهو يرصُّ علبَ السجائر كمن يعدُّ أصواتَ الناس:
— «البلدُ بتتجوز، مش البِنت.»
هزَّ فلاحٌ عجوزٌ رأسَه، وبصق في التراب:
— «ولمّا البلد تتجوز غريب… تبقى أرملة بدري.»
دخل المهندسُ القريةَ في سيارةٍ سوداء،
زجاجُها مُظلَّل، وهداياها مُغلَّفة.
ابتسم الناس…
لكنَّ العيونَ ظلَّت مشدودة.
معه جاء الكلب.
أسود، ضخم، صامت.
لا ينبح، لا يلهث، لا ينظر في الأرض.
يمشي بين الناس كأنَّه يُحصيهم.
همس شابٌّ لجاره:
— «ده مش كلب… ده شيخ غَفَر بيلفّ على أملاكه.»
ضحكوا… ضحكةً قصيرةً، مبتورة.
على أطراف القرية، حيث لا تُرى السيارات ولا تصل الهدايا، عاش سليمانُ الراعي.
لا أرضَ، لا مالَ، لا نسبَ يُذكَر.
ظهرُه مُقوَّس، تعلَّم الانكسار قبل الوقوف.
يداه خشنتان، وصوتُه منخفض.
له كلبةٌ صغيرة،
هزيلة، بيضاء، رجلُها اليسرى عرجاءُ قليلًا.
تتبعه أينما ذهب،
وتنام عند قدميه، تحرس ما تبقّى منه.
قال له رجلٌ مرَّة، بسخريةٍ مغموسةٍ في الشفقة:
— «إيه اللي مخليك ماسك فيها كده؟»
أجاب سليمانُ بهدوءٍ يشبه الاعتذار:
— «عشان لما أموت… حد يفتكرني.»
في ظهيرةٍ خانقة، دخل الكلبُ الأسودُ المرعى.
لم يستأذن.
لم يتوقّف.
لم يلتفت.
انقضَّ على الكلبةِ الصغيرة.
صرختْ صرخةً حادّةً، شقَّتِ الهواء.
تجمَّد سليمانُ لحظةً…
ثم صاح:
— «سيبها! دي أضعف منك!»
لم يلتفت الكلب.
ضربه سليمانُ بالعصا، مرَّة… مرتين…
ارتدَّت العصا، ولم يتراجع الكلب.
في لحظةٍ بلا تفكير، بلا حساب، بلا عقل…
انقضَّ سليمان،
وغرس أسنانَه في جسدِ الكلب.
دوَّى العواء.
هرب الكلب، يجرُّ كبرياءه ودمَه.
وبقي سليمان، والكلبة، وبقعةُ دم.
في بيتِ العمدة، صرخ المهندس:
— «ده اعتداءٌ وحشي!»
ضرب العمدةُ كفًّا بكفّ:
— «ما ينفعش نسكت! هيبتي هتروح!»
قال أحدهم:
— «هو مين عض مين؟!»
ضحكوا، ثم صمتوا فجأة.
في القسم، سُئِل سليمان:
— «إنت فاكر نفسك مين؟»
لم يردّ.
في المحكمة، جلس في القفص، يحدّق في الأرض.
سأله القاضي:
— « اعترفتَ إنك عضضتَ الكلب؟»
رفع سليمانُ رأسَه ببطء،
وقال بصوتٍ مبحوح:
— «كنت بدافع عن كلبتي… هي حياتي كلّها.»
قهقه المهندس:
— «دفاع؟ ده اعتداءٌ سافر.»
لم تستغرق الجلسةُ وقتًا طويلًا.
تقريرٌ طبيٌّ مُفصَّل، مختوم، موقَّع من طبيبٍ بيطريٍّ كبير:
جرحٌ نافذ، يحتاج علاجًا وراحةً لا تقلّ عن واحدٍ وعشرين يومًا.
أمّا سليمان…
فلم يُوقّع أحدٌ على وجعِه.
المحامي المعيَّن حاول.
بحث عن شهود.
نظر في عيون الناس.
كلُّهم يعرفون الحقيقة…
ولا أحد يعرف الشجاعة.
صدر الحكم:
سنةٌ مع الشغل والنفاذ.
في السجن، عانى سليمانُ الوحدةَ والقهر.
ذوى جسدُه كما يذوي غصنٌ يابس،
يردّد لنفسه:
«أنا ما عملتش جريمة…
أنا كنت بحمي اللي ماليش غيرها.»
مات سليمانُ في زنزانته، ذاب على الجدار كما يذوب الملحُ في الجرح، ولم يتبقَّ منه سوى صدى رجلٍ حاول أن يحمي ما أحبّ.
د صبري غانم

تعليقات
إرسال تعليق