غفوةُ مشاعر



 ق.ق ~ غفوةُ مشاعر 

الكاتب ~ عادل ابو العز الرحبي ~ يكتب...

««««««««««««««««««««

ــــــــــــــــــــــ(غفوةُ مشاعر)ــــــــــــــــــــــ

كانت الساعة تزحف ببطء نحو التاسعة ليلًا.


اتجهت إلى المطبخ، أعدّت لنفسها كأسًا من عصير الأناناس، ثم عادت بخطوات متعبة.


وضعت الكأس على الطاولة، وأسندت يدها اليمنى إلى الأريكة، بينما استقرت اليسرى على خصرها، وجلست بتؤدةٍ شديدة، حتى استقر جسدها أخيرًا.


أطلقت تنهيدة طويلة، وتحسّست بكلتا يديها بطنها المنتفخ؛ جنينٌ على وشك أن يطلّ برأسه إلى هذه الدنيا، ليملأ فراغ حياتها، ويبدّد ضباب الصمت المخيّم على زوايا المنزل، ويكسر ذلك الملل الثقيل الذي كان يضغط على أنفاسها.


راحت توزّع نظراتها في المكان، كأنها تبحث عن شيءٍ ما.


تعلّقت عيناها بصورة زفافهما المعلّقة على الجدار المقابل…


فسافرت ذاكرتها إلى الماضي القريب.


قصة حبٍّ فريدة.

معركة خاضاها معًا ليحققا حلمهما.

كيف واجها العالم كله دفاعًا عن حبهما، حتى انتصرا أخيرًا.


سنتان مضتا على زواجهما، عاشا خلالهما أجمل اللحظات، لم يكن أحدهما يهنأ إلا بقرب الآخر، يقضيان معًا جلّ أوقاتهما.


ثم جاء ذلك اليوم…


اليوم الذي تعرّف فيه على أصدقاءٍ جدد.


تبدّلت الأمور، تغيّر حاله، وصار شخصًا آخر.


يسهر خارج المنزل حتى ساعات متأخرة، يلاعب الورق، ويعود قبيل الفجر مرهقًا، منهك القوى، شارد الذهن،


يلقي بجسده المتثاقل على السرير، ويغرق في نومٍ عميق حتى منتصف النهار.


ثلاثة أشهرٍ مضت على هذا الحال.


كانت الساعة الخامسة، ومآذن المدينة تصدح بالأذان معلنة فجر يومٍ جديد.


بخطواتٍ مترنّحة كان يصعد الدرج، فتح الباب، ودخل.


لفت انتباهه أن أضواء المنزل ما زالت مضاءة.

ارتمى بجسده على الأريكة، لمح على الطاولة كأس العصير، فاحتساه دفعةً واحدة.

نهض وتوجّه إلى غرفة نومهما…


لكن السرير كان خاليًا.

عاد إلى الصالة يناديها،


ولا إجابة.


تنقّل في أرجاء البيت، يبحث هنا وهناك، دون جدوى.


فجأة… طرقٌ على الباب.

اتجه نحوه متسائلًا:


— من؟ من الطارق؟


فتح الباب، لتقف أمامه ابنة الجار.

قالت بصوتٍ متردد:


— ليلة البارحة سمعتُ أمي صراخ زوجتك… جاءت إليها، كانت تتوجّع، يبدو أنها آلام المخاض. أخذتها وأسعفتها إلى المشفى القريب.


تهلّلت أساريره، وارتسمت الغبطة على محيّاه.


أغلق الباب، واندفع راكضًا نحو المستشفى،


خطواته تسبق الفرح المتراقص في أعماقه.


بعد دقائق…

كان يقف كجلمود صخر أمام السرير،

جثمانها مسجّى تحت لحافٍ أبيض.


تجمّدت الدموع في مآقيه.

كتمت الفاجعة أنفاسه.

لم يعد يعي شيئًا مما يحدث.

ربت الجار على كتفه قائلًا:


— البقية في حياتك يا صديقي… إنها إرادة الله. قدّر الله وما شاء فعل. عظم الله أجرك، وبارك الله لك في المولودة.


استدار ببطء نحو الممرضة التي كانت تحتضن طفلته.


حملها بين ذراعيه، وجلس إلى جوار السرير.


تمعّن في ملامحها الصغيرة، طبع قبلته الأولى على رأسها،

ومن عينيه المرهقتين سقطت دمعة، استقرّت على جبينها.


فجأة…

اخترقت سمعه قهقهات أصدقائه الصاخبة.


قطع شروده صوت أحدهم:

— ييييه يا برنس! ما بك؟ أين ذهبت بخيالك؟ هيا العب!


وقال آخر ضاحكًا:

— يبدو أن إحداهن سرقته منا!


انتفض كمن لُدغ.


تغيّرت ملامحه، ونهض بغضب.


ألقى بأوراق الكوتشينة على الطاولة، وغادر المكان مسرعًا.


دخل منزله، اتجه مباشرة إلى غرفة النوم.


وجدها تغطّ في نومٍ هادئ، قد توسّدت ذراعها، ولفّت الأخرى حول بطنها كأنها تحتضن جنينها.


اقترب منها، حدّق طويلًا في وجهها،


طبع قبلة خفيفة على جبينها،

ومدّ يده يتحسّس الجنين، كأنه يلتمس منه العذر.


اغرورقت عيناه بالدموع،

وتمتم بصوتٍ خافت، خشية أن يوقظها:


 ــ أعدكِ يا حياتي… أن أقضي ما تبقّى من عمري بقربكما، ومعكما، وأعيش من أجلكما فقط.

أرجوكِ… سامحيني.

لا أريد شيئًا…

فقط… سامحيني.


ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 


بقلم/ عادل_أبوالعز_الرحبي


ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

أنَّى لي بعِمَامةِ أبي

الحمل الوديع

أشواك للبيع