تَقَدَّمْ… إِذَا لَدَيْكَ سُؤَالٌ...!!. د.عبد الرحيم الشويلي
تَقَدَّمْ… إِذَا لَدَيْكَ سُؤَالٌ...!!.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قِصَّةٌ قَصِيرَةٌ
كَانَ اسْمُهُ نَادِرٌ، لَكِنْ أَهْلُ الْمَقْهَى كَانُوا يُسَمُّونَهُ: الرَّدُّ السَّرِيعُ.
يَجْلِسُ
كُلَّ مَسَاءِ عَلَى الطَّاوِلَةِ الْقَرِيبَةِ مِنَ الْبَابِ، يَضَعُ
نَظَارَتَهُ فِي مُنْتَصَفِ أَنْفِهِ، كَأَنَّهُ حَارِسٌ لُغَوِيٌّ عَلَى
بَوَابَةِ الْعَالَمِ.
لَا يَطْلُبُ سِوَى قَهْوَةٍ سَوْدَاءَ… وَيَطْلُبُ مِنَ الْبَشَرِ أَنْ يَكُونُوا أَقَلَّ سَوَادًا فِي أَسْئِلَتِهِمْ.
دَخَلَ شَابٌ جَامِعِيٌّ، جَلَسَ قَرِيبًا مِنْهُ، وَسَأَلَهُ:
– أُسْتَاذٌ… لِمَاذَا الْحَيَاةُ صَعْبَةٌ؟
رَفَعَ نَادِرٌ عَيْنَيْهِ بِبُطْءٍ، وَقَالَ:
– لِأَنَّكَ لَمْ تَقْرَأِ التَّعْلِيمَاتِ خَلْفَهَا.
ضَحِكَ بَعْضُ الرُّوَّادِ.
جَاءَ رَجُلٌ خَمْسِينِيٌّ، وَسَأَلَ:
– لِمَاذَا الْمَسْؤُولُونَ يَكْذِبُونَ؟
أَجَابَ نَادِرٌ:
– لِأَنَّ الْحَقِيقَةَ تَحْتَاجُ ذَاكِرَةً… وَالْكَذِبُ يَحْتَاجُ لِسَانًا فَقَطْ.
قَهْقَهَةٌ أَعْلَى.
امْرَأَةٌ قَالَتْ وَهِيَ تُعَدِّلُ حِجَابَهَا:
– لِمَاذَا الرِّجَالُ يَخَافُونَ مِنَ النِّسَاءِ الْقَوِيَّاتِ؟
ابْتَسَمَ نِصْفَ ابْتِسَامَةٍ، وَقَالَ:
– لِأَنَّهُمْ بِالْكَادِ يَحْتَمِلُونَ ضَعْفَهُمْ… فَكَيْفَ يَحْتَمِلُونَ قُوَّةَ غَيْرِهِمْ؟
ضَحِكَ… وَتَصْفِيقٌ خَفِيفٌ.
بَدَأَ الْمَقْهَى يَنْتَظِرُ ضَحِكَاتِهِ قَبْلَ أَنْ يَطْلُبَ الشَّايَ.
صَارَ النَّاسُ يَسْأَلُونَ لَا لِيَعْرِفُوا… بَلْ لِيَرَوْا كَيْفَ سَيَذْبَحُ السُّؤَالَ بِسِكِّينِهِ الْلَامِعَةِ.
فِي مَسَاءٍ هَادِئٍ…
دَخَلَ طِفْلٌ صَغِيرٌ يَمْسِكُ بِيدِ أَبِيهِ.
انْفَلَتَ مِنْهُ، وَاقْتَرَبَ مِنْ نَادِرٍ وَسَأَلَهُ:
– عَمُّو… لِمَاذَا النَّاسُ يَمُوتُونَ؟
سَادَ الصَّمْتُ.
لَمْ يَضْحَكْ أَحَدٌ.
لَمْ يَلْمَعِ السِّكِّينُ هَذِهِ الْمَرَّةَ.
حَرَّكَ نَادِرٌ فِنْجَانَهُ…
بَحَثَ عَنْ إِجَابَةٍ سَاخِرَةٍ…
لَمْ يَجِدْ.
اقْتَرَبَ الطِّفْلُ أَكْثَرَ:
– أَنْتَ تَعْرِفُ كُلَّ شَيْءٍ… صَحْ؟
نَظَرَ نَادِرٌ فِي عَيْنَيْهِ.
وَلأَوَّلِ مَرَّةٍ… شَعَرَ أَنَّ السُّخْرِيَةَ فِكْرَةٌ جَبَانَةٌ.
قَالَ بِصَوْتٍ أَقَلَّ حِدَّةً:
– لِأَنَّ الْحَيَاةَ قَصِيرَةٌ يَا صَغِيرِي. وَلِهَذَا يَجِبُ أَنْ نَكُونَ طَيِّبِينَ فِيهَا.
لَمْ يَضْحَكْ أَحَدٌ.
لَكِنْ أَحَدُهُمْ تَنَفَّسَ.
فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ، غَادَرَ نَادِرٌ الْمَقْهَى دُونَ أَنْ يَتْرُكَ تَعْلِيقًا أَخِيرًا.
وَفِي الْيَوْمِ التَّالِي، حِينَ سَأَلَهُ أَحَدُهُمْ:
– لِمَاذَا تَأَخَّرْتَ الْبَارِحَةَ؟
ابْتَسَمَ وَقَالَ:
– لِأَنَّ بَعْضَ الْأَسْئِلَةِ… لَا تُجَابُ إِلَّا بِصَمْتٍ.
وَمُنْذُ ذَلِكَ الْمَسَاء…
لَمْ يَتَوَقَّفْ عَنْ السُّخْرِيَةِ…
لَكِنَّهُ صَارَ يَسْخَرُ مِنْ نَفْسِهِ أَوَّلًا....!!.
القاص
د.عبد الرحيم الشويلي
القاهرة
8.مارس/آذار/2026م.

تعليقات
إرسال تعليق