مسافة باردة ق.ق ــــــــــــــــــــــــــــــ لم يكن المنقذ يدفئ الغرفة بقدر ما كان يثبتها في مكانها. الفحم يلمع ويخبو، والجوزة إلى جواره تطلق دخانًا بطيئًا، كأنها تتنفس بدلًا عنه. رفع كوب الشاي إلى فمه، ارتشف رشفة قصيرة، ثم أعاده إلى الأرض قرب الحائط. الصورة في التلفاز ارتعشت. نهض، ضربه من أعلاه ضربة خفيفة، فعادت الوجوه إلى أماكنها. جلس. كان الفيلم في منتصفه. مشهد الأب والابن. الابن يتكلم عن الحارة، والخروج منها، عن اللقمة النظيفة، وزواجه من بنت ناس. ضحك قبل أن يسمع صفعة الأب وكلماته: "ليه متجوزش واحدة بنت كلب زي أمك؟"، ثم كحّ كحة طويلة، خرج معها دخان كثيف من صدره وفمه. هدأت الكحة، ابتسم، وتنفس نفسًا طويلًا وخرج منه بهدوء. ابنه كان جالسًا قرب المنقذ، يمد يديه إلى الفحم. اقترب ووضع رأسه على فخذ أبيه. سكن. مدّ الأب يده، ربّت على شعره مرة واحدة، دون أن ينظر إليه. ترك الفيلم يكمل. الساعة قاربت الحادية عشرة. كان قد عاد منذ قليل من المحل، أغلق باب دكانه، اشترى سمكًا مشويًا من آخر الشارع، أكلا في صمت. ووضعا الأشواك في الكيس، والرائحة ما زالت عالقة في الغرفة. حين...
عند الجسر القديم كانت رنا تمشي كل مساء عند النهر الصغير الذي يعبره جسر خشبي قديم. تحب الجلوس هناك لتراقب غروب الشمس، حيث تنعكس الألوان الذهبية على الماء كلوحة سحرية. في إحدى المرات، وجدت رسالة صغيرة عالقة بين ألواح الجسر، مكتوب فيها: "ألقاك هنا عند الغروب... إن كنت تؤمنين أن القدر يجمع القلوب." ترددت، لكن قلبها دفعها للانتظار. ومع انحدار آخر خيوط الشمس، ظهر يامن، الشاب الذي طالما لمحته من بعيد ولم يجرؤ على الاقتراب. ابتسم بخجل وقال: "كنت أبحث عن طريقة تخبرك أني معجب بك… ولم أجد أجمل من هذا المكان." ابتسمت رنا، والهواء حمل ابتسامتها عبر النهر… ومنذ تلك اللحظة، صار الغروب موعدهما الدائم، والجسر شاهدًا على بداية حب لم يكن في الحسبان. عزة التوني.
ق.ق.ج ~ ثورة الكاتبة ~ رانية الصباغ ~ تكتب... «««««««««««««««««« ثورة لم أستطع النوم من ألمٍ مفاجئٍ بعد منتصف الليل، تقلبتُ كثيراً في الفراش. ما تزال كلمة "سلامتُكِ" التي قالها قبل أن يدير ظهره ترنُ في أذني. أمسكتُ جوالي وسألتُ " تشات جي بي تي" عن الأمراض التي تسبب ألماً في الخاصرة اليسرى، أخبرني بعدة احتمالاتٍ وأن الأفضل الاتصال بالطوارئ. شعرتُ بالاطمئنان عندما أضاف: "لا تقلقي سأبقى معك" ابتسمت، بكيت، ثم أيقظت ذلك النائم بجواري وطلبتُ منه الطلاق. رانية الصباغ /سورية
قصة قصيرة عندما يأتي الموت أمين الساطي جلس يراقب، بلهفة، مباراة فريقه ليفربول على التلفزيون. لم يعد التشجيع مجرد هواية؛ بل تحوّل إلى جزءٍ أساسي من هويته. صار انتصار ليفربول نجاحًا شخصيًا له، يعزّز ثقته بنفسه، ويمنحه، في الوقت ذاته، مهربًا مؤقتًا من ضغوط الحياة اليومية. أثناء ذلك، بدأ يسكب قهوة النسكافيه ببطء، يراقب الخطّ البني وهو يملأ الفنجان. وفجأة اهتزّت يده، لا بسبب هدفٍ سجّله ليفربول، بل بسبب فكرة عابرة: “كم مرة سكبتُ القهوة دون أن أنتبه أنني أعيش؟” ابتسم ابتسامة خفيفة، ثم صمت. على الكنبة المجاورة جلس حفيده، ممسكًا بهاتفه المحمول؛ عالمه الضيّق في زمنٍ أضيق. في ذلك العالم، كلّ شيء واضح: من يربح… ومن يخسر. أحسّ بألمٍ خفيف في كتفه. حاول أن ينادي حفيده، لكنه لم يستطع. أخذ نفسًا عميقًا، ثم شعر بشيء غريب… لم يكن ألمًا، بل فراغًا، كأن الهواء انسحب من داخله بهدوء. توقّفت الساعة على الحائط… أو لعلّه هو من توقّف. مرّت دقائق. التفت الحفيد أخيرًا. هزّه قليلًا، فلم يتحرّك. هزّه مرةً أخرى، بلا استعجال. لم يتحرّك. اقترب أكثر. لمس يده… كانت باردة. بقي ينظر إليه طويلًا،...
رجفة قلب بقلم: ماهر اللطيف/ تونس. المكان مكتظّ بالروّاد من الجنسين، فرادى وجماعات. لا موطئ قدم. الدخان يغزو الأرجاء، يفتك بما تبقّى من هواءٍ نقي، ويجعل الرؤية ضبابية متعبة. وجوه مستبشرة، ضاحكة، وأصوات تتعالى من كل حدب وصوب، حتى بدا المشهد شبيهًا بهتاف جماهير الملاعب. بعد جهدٍ جهيد، لمحتُ سهى جالسة في أقصى المقهى، قرب البلّور الزجاجي، برفقة فتيات أخريات لم أتبين ملامحهنّ في البداية. كنّ يحتسين مشروباتهن ويتبادلن أطراف الحديث. تقدّمت نحوهنّ وأنا أستعيد مكالمتها قبل ساعة، حين طلبت مني الحضور فورًا لأمرٍ جلل. اعتذرت لانشغالي، لكنها أصرت، بل وهددت بقطع علاقتها بي إن لم ألبِّ طلبها. يا الله... لا أصدق ما أرى. أهذه شيراز؟ وهند؟ وعلياء؟ كلهنّ هناك... كلهنّ ممّن ربطتني بهنّ علاقة “حب” ومودّة... وغيرها. ما الذي جمعهنّ في مكان واحد، وهنّ لا يعرفن بعضهنّ أصلًا؟ تقهقرتُ خطوةً تمهيدًا للفرار، لكن صوت سهى اخترق المكان: "تعال يا حبيبنا... اقترب يا معذّب قلوب ال...
قصة قصيرة جدًا اِنفجار النص الذي رماه في عمق الأدلجة، أعادته الذكريات.. في التعليقات غاصتِ الحيتان بحذر، على الشاطئ.. نفقتِ الإعجاباتُ. ود الوكيل.. السبت 17\5\2025
كبرياء حجر "لم تكن ترفض له طلبا؛ كانت طوع بنانه كأنها بعض منه. حين قرر الارتباط بأخرى واستأذنها، لم تعترض، بل طلبت منه مطلبا أخيرا: أن يصنع لها تمثالا. في الصباح، وجد التمثال واقفا في ركن الغرفة، ووجدها جثة هامدة بجانبه، تاركة له وصية بوزن الفاجعة: لك الآن أن تخون التمثال.. فهو مثلي، لا يقول لا! عبد القادر صيد
مطلوب إنسانًا تعطلت سيارته على الطريق السريع، فرفع لافتة كتب عليها: "النجدة" مرت السيارات مسرعة لا مبالية. بعد زمن كاف، توقف أحدهم. - لو جربت مركز الصيانة. نظر الرجل بأسف. - فكرة رائعة، لكن عنوانها في كوكب آخر. دريه راغب ياسين سوريا
موت لم يكن يشاهد التلفاز ليؤنس وحدته، بل كان يجلس قبالته كي لا يشيح بعينيه عن صورتها المعلّقة فوقه. في العيد امتلأ البيت بالأبناء والأحفاد، وضجّ المكان بضحكاتهم، لكن قلبه بقي يصارع الفراغ. حين تعب من المجاملات، انسحب إلى غرفته، وأغلق الباب وراءه، وحدها الضحكات من تسلّلت لتقف عند سمعه. راضية بن حسن زيتون /تونس
ق.ق.ج ~ تشكيل الكاتب ~ احمد سليمان ابكر ~ يكتب.. . ««««««««««««««««««««« تشكيل بدأ مشواره بعيدا في سماء الحلم، هبط في أرض الأمل، ولج بوابة الواقع، تاه في عتمة الألوان. *** بقلم: أحمد سليمان أبكر البلد/السودان
ق.ق.ج ~ استعلاء الكاتب ~ حسن الختام ~ يكتب.. «««««««««««««««««« استعلاء جاءتِ العقائدُ رسالةً للإنسانية، رأتْ كلُّ جماعةٍ نفسها أعلى من غيرها، تشكّلتْ أيديولوجية ميتافيزيقية..نشبتْ صراعاتٌ دموية من أجل الهوية المغلقة.! حَسن لختام.مراكش.المغرب
ق.ق. ~ رسالة لم تُقرأ الكاتبة ~ سمية جمعة ~ تكتب... ««««««««««««««««« رسالة لم تُقرأ كان الظلام ينسج خيوطه الأخيرة قبل الفجر، بينما كنت أجلس أمام الورقة البيضاء، كأنها مرآة تعكس فراغي. القلم بين أصابعي يرتعش كعصفور جريح، والكلمات تتساقط من ذاكرتي مثل أوراق الخريف البالية. تذكرتُ صباحاتنا القديمة، حين كان الضوء يدخل من النافذة حاملاً معه عبق القهوة وهمساتنا المليئة بالأمل. كنا نكتب أحلامنا على حواف الأكواب، ونضحك كأن الوقت توقف ليسمع ضحكتنا. لكن الآن، حتى القهوة صارت مُرّة، وحيدة، كفنجان بارد تُرِك على الطاولة دون أن يلمسه أحد. حاولتُ أن أخطّ لكَ كلماتي، لكن كل حرف كان يذوب في الهواء قبل أن يصل إلى الورق. ماذا أقول؟ هل أذكرك بأنني ما زلت هنا، أم أنك تعرف ذلك وتتجاهله؟ هل أصف لكَ كيف صار الحنين جبلًا يثقل كاهلي، أم أنك لم تعد تسمع إلا صوت نفسك؟ أردتُ أن أكتب عن الغياب، لكنّ الغياب لا يُكتب، يُعاش. أردتُ أن أقول إنني أخاف من أن تتحول ذاكرتنا إلى غبار، لكنّ الخوف نفسه صار عادة. فكيف لي أن أشرح لكَ أن بعض العبارات تموت قبل أن تُولد؟ ...
ق.ق ~ بركان على الفيس بوك الكاتب ~ د. جرجس حوراني ~ يكتب. . «««««««««««««««««« بركان على الفيس بوك وقف عمار، ملتفًا حوله كأنه يريد أن يتأكد أن كل زبائن المقهى، وليس فقط رفاق طاولته الثلاثة، سيشهدون على قسمه. حين اطمأن، حدق في الرفاق وقال بصوت قوي، كأنه يهدد ويتوعد: — سأجعلها سعيدة من الآن وحتى يوم عيد الأم… مكافأة لها! وخرج، تطارده ضحكات رفاقه مثل قذائف مدفعية، تهز صدره وتربكه في آن واحد. سار في الشارع فرحًا في البداية، شعور بالفخر يملأ قلبه: لقد فعل شيئًا مهمًا… لكن مع ابتعاده عن المقهى، وهدوء أعصابه المتوهجة، بدأ شعور غريب يتسلل إلى قلبه، أشبه بالخوف. اقترب من الحديقة العامة، جلس تحت شجرة سرو، وراح يفكر بالمأزق الذي وضع نفسه فيه: — هل أنا مجنون؟ — والله إنني مجنون! أعرف زوجتي معرفة تامة. كيف أراهن على شيء خاسر؟ سأغدو نكتة بين رفاقي، يحكون قصتي لأجيال ويضحكون. زوجتي… إنها مثل بركان. شعلة نار تغضب إذا قلت لها صباح الخير. إذا تنفست قرب وجهها وأنا نائم، تدفعني بيدها وتصرخ: "نم جيدًا!" إذا أصدرت صوتًا خفيفًا وأنا أقضم خيارة، تحدق بي شرسة وتقول: "اغلق فمك، ألا تفهم أصول ...
ثلاثية قصص قصيرة جدّاً هيتشكوك بقلم: نزار الحاج علي ( ١) اعتادت زوجتي الأولى أن تنام في الغرفة المجاورة كلما اختلفنا، لكنها بعد دقائق، كانت تبدأ في الصراخ وتدّعي بأن أحدهم يخرج عليها من داخل الخزانة. وكنتُ أسارع لطمأنتها أن ما تراه مجرّد قبعة قديمة ومعطف طويل. وبعد أن تغفو، أعود إلى غرفتي، أغلق الباب الذي أتسلل منه لخزانتها بهدوء. كان عليّ أن أجعلها تصرخ كل ليلة، حتى يعتاد الجيران على صراخها، في الإسبوع المقبل ستحدث...جريمة. (٢) زوجتي الثانية اعتادت عندما تغضب مني، أن تنام عند جارتنا الأرملة، المرّة الأخيرة التي غضبت فيها ذهبتُ لأرجعها؛ غابت جارتنا دقيقة واحدة لكنها خرجت من غرفتها وهي تبكي بفزع؛ احتضنتها إلى صدري بلطف وتساءلتُ: _ من المجرم الذي يستطيع أن يقتل امرأة رائعة مثل زوجتي؟ شعرتُ بقلب جارتي...ينتفض، عندها أدركتُ أني أخطأت...ضغطت بقوّة أكبر. (٣) زوجتي الثالثة لم تعجبها الدمى الثلاثة اللاتي كنتُ أحتفظ بهنّ في غرفة باردة ومعتمة، وعندما تغضب مني كانت تصفهنّ بالقبح، وكنتُ أشعرُ عندها بالإحباط الشديد. على العكس منها زوجتي الرابعة، كانت ترى أن الدمى الأربعة...رائعات لدرجة تجعلك...
عندما تغيب الرحمة من قلوب ملائكة الرحمة بقلم: ماهر اللطيف /تونس كان يمسك بطنه بكفّه اليمنى بقوة، يتلوّى، يبكي، ويصيح: "أنجدوني أرجوكم… لم أعد أحتمل… إنني أموت!" لكن لا أحد يجيب. لا منقذ، رغم وجوده في قاعة الانتظار بقسم الاستعجالي، في ذلك الليل الثقيل... كان المكان مكتظًا: مرضى وذووهم، من كل الأعمار والطبقات. كلٌّ يحمل وجعه الخاص، قصته التي لا يشعر بها سواه. هذا ينزف حتى كاد يغرق في دمه، وتلك شُوّه وجهها بموسى، وآخرون تتقاطع أنيناتهم في فضاء مشبع بالعجز. ومع ذلك، بدا أن الممرضين والممرضات، والأطباء، وكل المسؤولين، لا يرون في هؤلاء سوى أرقام… أرقامٍ مؤجّلة الدفع، لا تُفتح لها أبواب الكشف إلا بعد تسوية الحساب، مهما بلغت الحالة من خطورة، ولو كان صاحبها يصارع الموت. اشتدّ الألم بأبي القاسم. تعرّق جسده، واصفرّ وجهه، وارتجفت أطرافه. ضرب الحائط بكفّه اليسرى، ثم اندفع برأسه نحوه، كأنّه يحاول كسر وجعه أو كسر نفسه. انفتح رأسه، وانبثقت منه دماء ساخنة، بينما كان يتوسّل، يتذلّل، يقبّل أحذية العاملين هناك… ولا مجيب. اقترب منه رئيس الممرضين، وقال ببرود قاتل: – كفاك تمثيلًا أيها العجوز… أد...
ق.ق.ج ~ عبث الكاتب ~ عبد القادر صالح ~ يكتب.. . «««««««««««««««««« عبث مد بصره في حنايا الروح ، شعر بالسراب ، يلوح بالأفق الغائر حاول أن يقطف بعضا من الأمل ، رجع بخفي حنين . عبد القادر صالح..
سلاماً لها في عيدها ــــــــــــــــــــــــــــــــ كانت مادة الرياضيات مستعصية على الفهم لكثير من طلاب الصف السابع، ويعتبرونها طلاسم تحتاج منجّماً حذقاً، يفكّك أرقامها، ويحلّ معادلاتها. معادلة صعبة اختبرتها الآنسة نجوى في أول حصة وأول سنة تدريسٍ لها في مدرستنا الريفية، بحسب ما اخبرتنا حينما عرّفتنا عن نفسها. هي ابنة المدينة من عائلة مثقفة، تدرس الرياضيات في الجامعة، وتحب اختصاصها، وقد اختارته رغم أن مجموعها يأهّلها لدراسة الطب ولكنها كانت شغوفةٌ بالأرقام وحب التدريس، هذه المهنة الصعبة والمقدسة. سبرٌ بسيط للصف وضعها أمام امتحان اختارت أن تبدأه مباشرة، دون تضيّعٍ للوقت. اختارت مفرداتها بعناية، وبصوت رقيق محبب لكنه يحمل الكثير من الجدّ قالت: السبر لا يرضيني أبداً، نحن في الصف السابع والمستقبل في انتظاركم، أريد الاهتمام بالمادة وحل التمارين، ومعاً سنصل ونحقق الأهداف، الرياضيات مجموعة قواعد، حفظها يسهّل علينا العمل، وأوّلها عمليات الجمع والطرح والضرب. وبدأت تسألنا واحداً واحداً ماذا ستصبح في المستقبل؟ الإجابات كانت عالية الطموح من الجميع. صفقت بيديها: برافو، أمام أحلامكم ...