خسائر ومكافآت .. طارق الحلواني.
خسائر ومكافآت
ق.ق
ق.ق
استيقظتُ، صنعتُ قهوتي، وجلستُ كعادتي كل صباح أتصفح الجريدة، وأبدأ دائمًا بالصفحة الأخيرة.
ارتشفتُ رشفةً أولى، وقبل أن يعود نظري إلى العناوين، لاحظتُ شيئًا يتحرك ببطء على الأرض.
دققتُ النظر.
كانت مجموعة من النمل، تحمل قطعة خبز أكبر من حجمها مرات.
لاحظتُ المشهد بفضل خيط ضوءٍ تسلل من فتحة في شيش الشباك الخشبي. كانوا يعملون في صمتٍ مدهش: يتبادلون المواقع، يؤمّنون الطريق، يسقط واحد فيتقدم اثنان، لا ارتباك، لا ضجيج.
تعجبت.
وتذكرتُ نبي الله سليمان عليه السلام حين سمع قول النملة.
لكنني هنا لا أسمع شيئًا. فقط أرى.
راقبتهم طويلًا،وراودتني فكرة التخلص منهم.
لكن نفسي قالت:
هل نزعتَ الرحمة من قلبك؟
هم مخلوقات ضعيفة، ومع ذلك نموذج فريد في العمل، وإنكار الذات.
قلت لنفسي: سأعرف مخبأهم، وأتركهم.
وإن آذوني. أتصرف.
أنهيتُ قهوتي، وعدتُ للجريدة.
كانت العناوين الرئيسية عن الاحتفال بعيد العمال.
خرجتُ إلى عملي.
وفي وداعي، ذكّرتني زوجتي بطلبات مؤجلة، كنتُ قد نسيتها أكثر من مرة. اعتذرتُ، ووعدتُ كعادتي.
بعد الظهر، اجتمعنا في قاعة الاحتفالات الكبرى.
صفوف منتظمة، قيادات متصدرة، نفاق وظيفي على أعلى مستوى.
مياه معدنية، عصائر، حلويات، شوكولاتة.
تكاليف باهظة حسبتُ متوسطها تلقائيًا، فأنا أعمل بإدارة الحسابات والمراجعة.
تذكرتُ أن شركتنا خاسرة منذ سنوات.
ضحكتُ ضحكةً مكتومة.
قفز مشهد النمل إلى ذهني:
الحرص، تبادل الأدوار، الكفاح، النجاح الصامت.
صعد رئيس مجلس الإدارة إلى المنصة.
تصفيقٌ حاد.
زميل جلس بجانبي وألقى أبيات شعر، كاد يبكي من التأثر.
آخر رمقني بنظرة استنكار لأن تصفيقي لم يكن كافيًا.
بدأت الكلمة عن الإخلاص والعمل.
كلمات لا تمت للواقع بصلة، كأنهامستحضرة من برنامج ذكي، لا من أرض العمل.ثم الحديث عن تطوير عمارات المصايف للعاملين، ودورات المياه، وزيادة بدل الانتقال والتمثيل، وشراء أحدث السيارات، وزيادة مكافأة نهاية الخدمة عبر الصندوق الخاص.
وقبل الختام، صاح أحدهم: — المنحة يا ريس!
عاد إلى الميكروفون: — المنحة. شهرمكافأة.
صفق الجميع.كادوا يرقصون فرحًا.
أما أنا، فلم تغب عن عيني صورة الصباح.
النمل. والخبز. والضوء.
وشعرتُ بالخزي.
وفهمتُ، دون خطبٍ ولا شعارات، كيف تُدار الأمور هنا.
حيث يكفي التصفيق. ليبدو كل شيء ناجحًا.
في أثناء ذلك، ناداني زميل:
— تعالى استلم مكافأة حضور الاجتماع.
نسيتُ كل شيء.
استلمتُ المكافأة.
ولم أتذكر النمل.
فقط تذكّرتُ طلبات زوجتي .
طارق الحلوانى
مارس ٢٠٢٦
مارس ٢٠٢٦

تعليقات
إرسال تعليق