رُوَاءٌ



 ق.ق ~ رُوَاءٌ

الكاتب ~ عادل ابو العز الرحبي~ يكتب...

«««««««««««««««««««

رُوَاءٌ

ـــــــــ


كنتُ في الخامسةِ عشرة، وكانت تكبرني بخمسة أعوام…

لكنَّها، في عيني، لم تكن تكبرني سنًّا؛ بل كانت تكبر العالم كلَّه جمالاً.

لم تكن كأيِّ فتاةٍ أعرفها أو مرَّت بي…

كانت شيئاً آخر، أقرب إلى دهشةٍ تمشي على قدمين.

كان اسمُها على مسمَّاه؛ كانت رُواء، منظراً حسناً يملأ العين.

قوامُها معتدلٌ كأنَّه خُطَّ بميزانٍ خفيٍّ لا يخطئ،

وجهُها ناضرٌ كصباحٍ لم تمسَّه يدُ تعب،

ملامحُها تنطق بأنوثةٍ هادئةٍ آسرة، تفرض حضورها دون تكلف،

شعرُها مخمليٌّ ينسدل كخيوطِ حريرٍ داكنةٍ تنحدر بانسيابٍ رقيق،

عيناها دعجاوانِ تُلقيان في القلب سحراً لا يُقاوَم.


كنتُ أتأمَّلها طويلاً…

من أخمص قدميها حتى ذُروة رأسها،

فلا أجد في تفاصيلها نشازاً،

كأنَّها خُلقت على مقاسِ ما يشتهيه قلبي دون أن يدري.


التقيتُها أولَ مرةٍ عند ذلك الجدْوَل، الواقع بين جبلين في موضع يتوسَّط المسافة بين قريتنا وقريتهم،

حيث يَرِدُ الرعاة عند الظهيرة، فتسقي أغنامهم عطشها،

وترتوي القلوب بشيءٍ لا اسم له.

ومنذ تلك اللحظة…

أدمنتُ الطريق إليه.

لم أعد أختار الجدول لقربه أو لوفرة مائه،

بل لأنَّها هناك.

صرنا نجلس على جنباته،

نقتسم الظلَّ والضحك،

نتبادل مزاحاً خفيفاً،

ونخوض ألعاباً لم أعرفها من قبل…

هي التي علَّمتني إيَّاها،

وكأنّها كانت تعلّمني الحياة من بابها الأوَّل.

كانت تأتي ومعها رفيقتها الصغيرة،

تشاركنا اللعب أحياناً،

لكنَّني… لم أكن أرى سواها.

أطلتُ النظر إليها أكثر ممَّا ينبغي،

وهي لم تكن تتحفَّظ…

تضحك، تمازح، تقترب،

وقد تعانقني أحياناً بعفويةٍ لا حدود لها،

وتصافحني بحرارةٍ كأنَّها لا ترى في الأمر ما يستدعي الحذر.

ربما…

كانت تراني طفلاً،

وتعاملني على هذا الأساس.

أمَّا أنا…

فكنتُ أراها شيئاً آخر تماماً.

كنتُ أحبُّها حدَّ أن يغيب العالم من حولي،

ولا يبقى في عيني غيرها،

ولا في قلبي مكانٌ لغير اسمها.

مرَّت الشهور…

ونحن على تلك الحال،

كأنَّ الزمن قد اختار أن يقف عند ذلك الجدْوَل.

ثم…

اختفت،

فجأة.

دون وداع.

كنتُ أذهب كلَّ يوم،

أرقب المكان،

أبحث في الماء، في الظلال، في الطريق…

ولا أثر لها.

يومٌ…

ثم يومان…

ثم ثلاثة…

حتى صار الغياب وجعاً له ملامح.


وفي اليوم الرابع،

لمحتُ رفيقتها.

أشرقتْ نفسي كمن عثر على خيط نجاة،

أسرعتُ إليها،

والأسئلة تتدافع في صدري:

— أين رُوَاء؟ لماذا لم تعد تأتي؟


نظرت إليَّ بهدوءٍ غريب، وقالت:

— رُواء رحلت… مع أهلها.

— إلى أين؟ ولماذا؟

— هم بَدوٌ رُحَّل…

لا يستوطنون أرضاً،

وإنما ينتقلون من مكانٍ إلى آخر حيث يتوفَّر الماء والكلأ…

هكذا قالت لي جدَّتي.


أخرستني كلماتها للحظات، ثم سألتُها بصوتٍ أثقلته الخيبة:

— ماذا تقصدين...؟

— هل تعنين أنَّها لن تعود…؟ ألن أراها مرة أخرى؟


أطرقتْ…

ولم تُجبني.

ثم انصرفتْ…

وبقيتُ أنا هناك….


ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

بقلمي/ عادل_أبوالعز_الرحبي

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

أمومة .. فتيحة بن كتيلة .. الجزائر.

رعب

امتداد