بركان على الفيس بوك



 ق.ق ~ بركان على الفيس بوك 

الكاتب ~ د. جرجس حوراني ~ يكتب..

««««««««««««««««««

 

بركان على الفيس بوك

وقف عمار، ملتفًا حوله كأنه يريد أن يتأكد أن كل زبائن المقهى، وليس فقط رفاق طاولته الثلاثة، سيشهدون على قسمه. حين اطمأن، حدق في الرفاق وقال بصوت قوي، كأنه يهدد ويتوعد:

— سأجعلها سعيدة من الآن وحتى يوم عيد الأم… مكافأة لها!

وخرج، تطارده ضحكات رفاقه مثل قذائف مدفعية، تهز صدره وتربكه في آن واحد.

سار في الشارع فرحًا في البداية، شعور بالفخر يملأ قلبه: لقد فعل شيئًا مهمًا… لكن مع ابتعاده عن المقهى، وهدوء أعصابه المتوهجة، بدأ شعور غريب يتسلل إلى قلبه، أشبه بالخوف.

اقترب من الحديقة العامة، جلس تحت شجرة سرو، وراح يفكر بالمأزق الذي وضع نفسه فيه:

— هل أنا مجنون؟

— والله إنني مجنون!

أعرف زوجتي معرفة تامة. كيف أراهن على شيء خاسر؟ سأغدو نكتة بين رفاقي، يحكون قصتي لأجيال ويضحكون. زوجتي… إنها مثل بركان. شعلة نار تغضب إذا قلت لها صباح الخير. إذا تنفست قرب وجهها وأنا نائم، تدفعني بيدها وتصرخ: "نم جيدًا!" إذا أصدرت صوتًا خفيفًا وأنا أقضم خيارة، تحدق بي شرسة وتقول: "اغلق فمك، ألا تفهم أصول الطعام؟”

أدرك الآن  أنها وحيدة، وأن المرأة، عندما يغادر أبناؤها البيت، تتغير، خاصة بعد تجاوز الخمسين وفقدان هرمونات السعادة.

ولكن، أنا  أيضًا… صرت وحيدًا معها. غادر أبناؤنا البيت وتجاوزت الخمسين.

— يا إلهي! ماذا فعلت بنفسي؟

أي وعد ضحكت أمام الناس؟ أليس من أجل ذلك ضحكوا عندما غادرت؟

اشترى سندويشة فلافل وراح يلتهمها بشراسة، كأنه ينتقم من وعده. وتخيل نفسه حالة على الفيسبوك: "القائد العسكري الذي وعد أن يسعد زوجته." راح يتخيل التعليقات، يسمع رنين الضحكات والقهقهات تضرب صدره كفلاح يعزق الأرض.

توقف قليلًا، وأطلق صرخة دوت أرجاء الحديقة:

— نعم، الفيسبوك! هو من سيساعدني!

فتح هاتفه بسرعة وكتب على صفحته، كأنه يخشى أن تهرب الكلمات منه:

— يا أصدقاء، عما قريب سيحل عيد الأم. أنوي أن أسعد زوجتي جدًا في هذا العيد. ماذا تقترحون علي؟ ملاحظة: زوجتي عصبية قليلًا وتضجر من أي تصرف أقوم به.

لاقى المنشور تفاعلًا كبيرًا: إعجابات، تهاني، نصائح، كلام جميل عن الأم، وحتى أفكار لمساعدة في ترتيب البيت أو المشاركة في المطبخ معها.

لكنه كان يرد على الجميع: كل ذلك أقوم به منذ مغادرة ابنتنا الصغيرة البيت والتحاقها ببيت زوجها، لكن كل ذلك لم يخفف حدة غضبها.

جاء تعليق شرس:

— أفضل شيء لتسعدها ألا تأتي إلى البيت يوم عيد الأم!

هذا التعليق تم تأييده من كثيرين ضاحكين:

— أنت مصدر غضبها، اخرج فورًا!

أغلق صفحته، لم يعد يستطيع قراءة المزيد من التعليقات التي تنخز قلبه، وراح يتمشى من جديد.

— هل حقًا أنا مصدر تعاستها وغضبها؟

لم يرق له كثيرًا هذا الكلام، فمنذ وقت طويل وهو يداريها مثل طفلة، لكن… ربما يكونون على حق.

وصل إلى عربة تبيع الشاي، طلب كأس شاي، وبدأ يشربه شاردًا. ثم قال لصاحب العربة:

— زوجتي بركان غضب، ولكنني أريد أن أسعدها في عيد الأم. ماذا أفعل برأيك؟

ضحك صاحب العربة:

— أول زبون أسمع أنه يريد أن يسعد زوجته! كرمًا لهذا الكلام، لا أريد ثمن الشاي.

قال عمار:

— بالله عليك، ساعدني!

حين شعر صاحب العربة بجدية الزبون، قال له:

— أغلق فوهة البركان، أطفئ النار. أنت، على ما يبدو، ترمي القش فتشتعل النار أكثر.

— وماذا أفعل؟

ابتسم صاحب العربة وقال:

— ماذا تفعل؟ هل هناك وسيلة أسهل من أن ترمي الماء على النار؟ والماء… هو الحب. أعطها حبًا أكثر فتطفئ نارها. في الوقت الذي تنتظر منك تحديًا، أعطها ماءً.

ضحك مرة أخرى:

— لا تظنني حكيمًا، ولكن هكذا خطر لي.

حمل عمار كأس الشاي وواصل السير، والفكرة تتغلغل في ذهنه، تتشبث فيه مثل منجل، تنير طريقه ببطء نحو قلب زوجته، وربما نحو بداية جديدة.

قصة د جرجس حوراني

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

أنَّى لي بعِمَامةِ أبي

أتصبب عرقا

أمومة .. فتيحة بن كتيلة .. الجزائر.