سلاماً لها في عيدها.. فريزة محمد سلمان.
سلاماً لها في عيدها
ــــــــــــــــــــــــــــــــ
كانت
مادة الرياضيات مستعصية على الفهم لكثير من طلاب الصف السابع، ويعتبرونها
طلاسم تحتاج منجّماً حذقاً، يفكّك أرقامها، ويحلّ معادلاتها.
معادلة صعبة اختبرتها الآنسة نجوى في أول حصة وأول سنة تدريسٍ لها في مدرستنا الريفية، بحسب ما اخبرتنا حينما عرّفتنا عن نفسها.
هي
ابنة المدينة من عائلة مثقفة، تدرس الرياضيات في الجامعة، وتحب اختصاصها،
وقد اختارته رغم أن مجموعها يأهّلها لدراسة الطب ولكنها كانت شغوفةٌ
بالأرقام وحب التدريس، هذه المهنة الصعبة والمقدسة.
سبرٌ بسيط للصف وضعها أمام امتحان اختارت أن تبدأه مباشرة، دون تضيّعٍ للوقت.
اختارت مفرداتها بعناية، وبصوت رقيق محبب لكنه يحمل الكثير من الجدّ قالت:
السبر
لا يرضيني أبداً، نحن في الصف السابع والمستقبل في انتظاركم، أريد
الاهتمام بالمادة وحل التمارين، ومعاً سنصل ونحقق الأهداف، الرياضيات
مجموعة قواعد، حفظها يسهّل علينا العمل، وأوّلها عمليات الجمع والطرح
والضرب.
وبدأت تسألنا واحداً واحداً ماذا ستصبح في المستقبل؟ الإجابات كانت عالية الطموح من الجميع.
صفقت بيديها: برافو، أمام أحلامكم الكبيرة، عائق صغير جدول الضرب هيا لنبدأ.
ودون تردد أو مماطلة، بدأت كتبت جداول الضرب على اللوح وقالت غدا سنرى النتائج الأفضل.
جاء الغد ودخلت بابتسامتها الجميلة، سمراء هادئة، نشيطة، ألقت السلام وجلسنا
قاعة هادئة، منضبطة، ومتحفذة.
جالت بعينيها على القاعة وقالت لنبدأ.
أيدٍ كثيرة ارتفعت وأيدٍ أخرى ظلت ساكنة.
قالت دعونا نقوم باختبار آخر.
ورقة وقلم بسرعة، الاختبار بسيط ومدته عشر دقائق فقط.
كتبت الأسئلة وجلست تراقب، عشر دقائق كانت كافية لترى نتائج الاختبار أمامها على الطاولة وفيه تحسن ملحوظ عن الأمس.
أبدت ارتياحها للنّتائج وقالت بداية مشجعة ابتداءً من غد ستشاركوني الدرس.
كانت
صبورة جدا، تعطي بلا حدود،حاسمة في قرارها، حتى كسبت ثقتنا كلنا، حتى
المشاغبين في الصف أصبحوا ذو أهمية في حصتها، اللوح نظيف، الطباشير بانتظار
رحلته المشوقة بأيادٍ حالمة، وأخرى متعثرة، لكنها تتفاعل لتصل، مرّت
الأيام وصار درس الرياضيات متعة، وحلقة اختبار دوارة يؤدي فيها الطلاب
المتفوقون دور المعلم المساعد.
يقفز
قلبي حينما تلفظ اسمي للكشف على دفتر الوظائف لرفاقي في الصف، أنا واثنان
معي، لكل منا صف من المقاعد، قبل أن نبدأ حل المسائل على اللوح.
مرّت
الأيام مسرعة وجاءت النتائج مفرحة لها أكثر منا، تعبها أثمر علامات عالية
على مستوى المدرسة وتنافساً بين الطلاب للحصول على المراتب الأولى.
أن تكون معلماً، يعني أن تؤمن برسالتك أولاً، وأن تبني الجسور لتوصيلها، بطرائق محببة.
تباعدت الأيام وكثير منا حقق أحلامه، وظلت الآنسة نجوى في الوجدان، حيث
تركت أثراً لا يمحى وحباً للعلم واحتراماً للمعلم.
فريزة محمد سلمان

تعليقات
إرسال تعليق