رسالة لم تُقرأ
ق.ق. ~ رسالة لم تُقرأ
الكاتبة ~ سمية جمعة ~ تكتب...
«««««««««««««««««
رسالة لم تُقرأ
كان الظلام ينسج خيوطه الأخيرة قبل الفجر، بينما كنت أجلس أمام الورقة البيضاء، كأنها مرآة تعكس فراغي. القلم بين أصابعي يرتعش كعصفور جريح، والكلمات تتساقط من ذاكرتي مثل أوراق الخريف البالية.
تذكرتُ صباحاتنا القديمة، حين كان الضوء يدخل من النافذة حاملاً معه عبق القهوة وهمساتنا المليئة بالأمل. كنا نكتب أحلامنا على حواف الأكواب، ونضحك كأن الوقت توقف ليسمع ضحكتنا. لكن الآن، حتى القهوة صارت مُرّة، وحيدة، كفنجان بارد تُرِك على الطاولة دون أن يلمسه أحد.
حاولتُ أن أخطّ لكَ كلماتي، لكن كل حرف كان يذوب في الهواء قبل أن يصل إلى الورق. ماذا أقول؟ هل أذكرك بأنني ما زلت هنا، أم أنك تعرف ذلك وتتجاهله؟ هل أصف لكَ كيف صار الحنين جبلًا يثقل كاهلي، أم أنك لم تعد تسمع إلا صوت نفسك؟
أردتُ أن أكتب عن الغياب، لكنّ الغياب لا يُكتب، يُعاش. أردتُ أن أقول إنني أخاف من أن تتحول ذاكرتنا إلى غبار، لكنّ الخوف نفسه صار عادة. فكيف لي أن أشرح لكَ أن بعض العبارات تموت قبل أن تُولد؟
في النهاية، طويتُ الورقة ووضعتها في الدرج، حيث ستُدفن مع كل الرسائل التي لم ترَ النور. ربما، في مكانٍ ما، كنتَ تُمسك ورقةً بيضاءَ أيضاً، وتفكر في كتابة شيءٍ ما، لكنّ الصمت كان أقوى منا الاثنين.
هكذا تنتهي بعض الحكايات: ليس بانفجار، بل بوشوشة خافتة تذوب في الفراغ... كحبر جافّ على صفحة لم يقرأها أحد.
سمية جمعة سورية

تعليقات
إرسال تعليق