عندما يأتي الموت.. أمين الساطي
قصة قصيرة
عندما يأتي الموت
أمين الساطي
جلس
يراقب، بلهفة، مباراة فريقه ليفربول على التلفزيون. لم يعد التشجيع مجرد
هواية؛ بل تحوّل إلى جزءٍ أساسي من هويته. صار انتصار ليفربول نجاحًا
شخصيًا له، يعزّز ثقته بنفسه، ويمنحه، في الوقت ذاته، مهربًا مؤقتًا من
ضغوط الحياة اليومية.
أثناء
ذلك، بدأ يسكب قهوة النسكافيه ببطء، يراقب الخطّ البني وهو يملأ الفنجان.
وفجأة اهتزّت يده، لا بسبب هدفٍ سجّله ليفربول، بل بسبب فكرة عابرة:
“كم مرة سكبتُ القهوة دون أن أنتبه أنني أعيش؟”
ابتسم ابتسامة خفيفة، ثم صمت.
على
الكنبة المجاورة جلس حفيده، ممسكًا بهاتفه المحمول؛ عالمه الضيّق في زمنٍ
أضيق. في ذلك العالم، كلّ شيء واضح: من يربح… ومن يخسر.
أحسّ
بألمٍ خفيف في كتفه. حاول أن ينادي حفيده، لكنه لم يستطع. أخذ نفسًا
عميقًا، ثم شعر بشيء غريب… لم يكن ألمًا، بل فراغًا، كأن الهواء انسحب من
داخله بهدوء.
توقّفت الساعة على الحائط… أو لعلّه هو من توقّف.
مرّت دقائق.
التفت الحفيد أخيرًا. هزّه قليلًا، فلم يتحرّك. هزّه مرةً أخرى، بلا استعجال.
لم يتحرّك.
اقترب أكثر. لمس يده… كانت باردة.
بقي ينظر إليه طويلًا، دون أن تتغيّر ملامحه.
ثم رفع عينيه إلى التلفزيون.
كانت المباراة مستمرة.
نظر إلى الفنجان؛ لا يزال البخار يتصاعد منه، لكنّه أصبح أخفّ.
مدّ يده… ثم توقّف.
سحبها ببطء.
جلس في مكانه.
لم ينادِ أحدًا.
لم يفعل شيئًا.
فقط… بقي ينظر.
بعد وقتٍ لا يُقاس،
اختفى البخار.
وبقي الفنجان كما هو.
وبقي هو كما هو.
وفي الغرفة،
لم يعد هناك ما يحدث.

تعليقات
إرسال تعليق