ليتها لم تكن
ق.ق ~ ليتها لم تكن
الكاتب ~ عادل أبو العز الرحبي ~ يكتب...
««««««««««««««««««««
ليتها لم تكن
ــــــــــــــــــ
تتسابق دقات قلبي مع الزمن، وتسبقني لهفةُ الشوق إلى لقائه، فيما روحي تقف على حافة الانتظار، معلقة بين الرجاء والوجع، تترقب لحظة العناق...
سويعاتٌ مرت بطيئة كأنها دهر، وأنا أرنو من خلف حائطٍ زجاجيٍّ يفصلني عن ساحة مدرج المطار، أفتش في البعيد عن طيفه، كأن عينيّ تعلقتا بوعدٍ لا يُرى...
ومن حولي وجوهٌ لا أعرفها، تتشابه فيها ملامح الفرح، وتفيض على مُحياها علامات الغبطة والسرور، كأن المطار كله عيدٌ إلا قلبي...
آه... كم اشتقت لعناقك يا أبي...
أربع سنواتٍ مضت منذ ودعني ورحل إلى ذلك البلد الذي يعمل فيه، سنواتٌ ثقيلة فرضتها قسوة الحياة، وأجبره فيها البحث عن لقمة العيش أن يبتعد عنا، حتى صار حضوره ذكرى، وصوته صدى بعيداً...
أحاول جاهداً أن أستحضر ملامح وجهه من بين غبار الذاكرة، فتطلّ عليّ ابتسامته الجميلة، تلك التي كان يزيِّن بها محيَّاه كلما تحدَّث لمن حوله، كأنها علامة أمان لا تغيب...
بدأت طلائع الوافدين تخرج من صالة الوصول،
فيتسابق ذووهم إلى احتضانهم،
وأنا واقفٌ هناك، أُقلِّب بصري في الوجوه، وأفتِّش بين القادمين عنه، كأنني أبحث عن عمرٍ ضائع بين الأبواب...
بدأت أعدادهم تتناقص شيئاً فشيئاً،
حتى خلت الصالة تماماً إلا من بعض موظفي المطار...
تسلَّل إلى قلبي شكٌّ ثقيل...
لماذا لم يكن أبي ضمن فوج المسافرين؟
هل تأخَّرت رحلته؟ أم أنَّ شيئاً لم يُخبروني به؟
ومن بوابة صالة الوصول المؤدية إلى الساحة الداخلية، ولج شخصٌ، يخطو بجسمٍ هزيل أنهكه المرض، ووجهٍ شاحبٍ أكلت ملامحه مخالبُ العجز، يستند إلى رجلٍ آخر يمسك به ليعينه على السير...
اقتربا ببطء، وأنا أتابع ملامحهما المرتبكة، حتى بدأ شيءٌ في داخلي يضطرب...
أخذت أتأمل وجه الرجل الشاحب، وعينيه الغائرتين اللتين بدتا كأنهما لا تبصران إلا بصعوبة...
لا أدري كيف تسلَّل إليَّ شعورٌ غريب بأنني أعرفه...
بل إنَّ في ملامحه ما يشدُّني إليه رغم غموضها...
اقتربا أكثر،
وتكشَّفت الملامح شيئاً فشيئاً...
نعم... إنه والدي الذي أنتظره، وذلك عمي الذي يرافقه ويستند عليه...
تجمَّد الزمن في عينيَّ لحظة الإدراك، وبدا المشهد كأنه كابوسٌ مفزعٌ لا يُصدَّق...
ولِمَ لا يكون كابوساً؟
ربما هو كذلك...
في تلك اللحظة تمنيت لو أن يداً خفية توقظني بعنف من هذا السكون المرعب، علِّي أفيق من حلمٍ يزلزل كياني ويكبِّل أنفاسي...
حاولت أن أصرخ، لكن الصوت خانني، وتخلَّت عني قواي، وكأن لساني قد شُلَّ في مكانه...
مرَّت أيامٌ وأنا بين ذهولٍ وتشتُّت، شارد الفكر، مثقل الذهن، لا أستوعب هول ما رأيت...
ولم تمضِ سوى أيامٍ قليلة، حتى صعدت روح والدي الطاهرة إلى بارئها...
وحينها فقط أدركتُ أنني لا أعيش حلماً... بل واقعاً مريراً، وحقيقةً أليمة...
ليتها لم تكن...
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بقلمي/ عادل_أبوالعز_الرحبي
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

تعليقات
إرسال تعليق