أوْصَابُ الجُوعِ
ق.ق ~ أوْصَابُ الجُوعِ
الكاتب ~ عادل ابو العز الرحبي ~ يكتب....
«««««««««««««««««««««
ــــــــــــ(أوْصَابُ الجُوعِ)ــــــــــــ
على أحدِ جانبي شارعٍ فرعيٍّ في مدينةٍ تُطوِّقها ألسنةُ الحربِ من كلِّ الجهات، كانت تجلسُ أمام كوخِها الصغير المصنوع من أكياسٍ بلاستيكيةٍ مملوءةٍ بالرمل، وقد رُصَّت فوق بعضها قبل عامين لتكون متاريسَ في زمنٍ آخر.
إليه لجأت بعد نزوحها من بيتها في المدخل الشرقي للمدينة، هربًا من شبحِ الموت الذي كانت الحربُ تذرؤه في كلِّ اتجاه.
أسندت ظهرها إلى جدار الكوخ من الخارج، وقد تشابكت أصابعُ يديها في حجرها كأنها تُمسك بفراغها الأخير. وإلى جوارها أطفالها الثلاثة، تتوسّد الصغيرةُ منهم عمرًا لم يتجاوز ثلاث سنوات.
في الجهة المقابلة، كانت الفيلا تُشعل ليل المدينة بضجيجٍ ملوّن؛ موسيقى تتساقط من الشرفات، وموائدُ تمتدّ على طول الغرفة، وضيوفٌ جاؤوا ليباركوا عرسًا لا يشبه هذا المكان في شيء.
تسرّبت تلك الأصوات إلى كوخها كإبرٍ في الرأس، فازدادت لسعاتُ الجوع في جوفها اشتعالًا، كأن الوَصَبَ وجد في الضجيج وقودًا جديدًا.
وبينما كانت تحاول إسكات بكاء طفلتها التي ينهش السغب معدتها، كانت الأخيرة تتلوّى على صدرها باحثةً عن شيءٍ لا يأتي.
قرب الكوخ، كانت الكلابُ الضالّة تتجمّع حول أكوام النفايات، تبحث في بقايا المدن عن حياةٍ مؤجلة.
ثم انفتح باب الفيلا. خرج شابان يحمل كلٌّ منهما كيسًا أسود كبيرًا، اتجها به نحو صندوق النفايات. قذفاه مرةً فلم يستقر، فتركا ما فيه وانصرفا.
لم تتردّد. نهضت، التفتت حولها، ثم التقطت عصاها واندفعت نحو الكيس تهشّ الكلاب عنها كما لو أنها تدافع عن حقّها الأخير في النجاة.
نادَت طفليها، فجاؤوا يجرّون خطى الجوع خلفها. فتحوا الكيس معًا، وأخذوا يجمعون ما تبقّى من بقايا الطعام، كأنهم يعيدون ترتيب الحياة من فتاتٍ ساقط.
وعلى أنغام الطرب المتسرب من شرفات الفيلا، كانت أمعاؤهم الخاوية تتعلّم كيف تبتسم، ولو لوجبةٍ قد تؤجّل الموت قليلًا.
بقلمي/ عادل_أبوالعز_الرحبي

تعليقات
إرسال تعليق