النَّفَقُ



 ق.ق ~ النَّفَقُ

الكاتب ~ عادل ابو العز بن ~ يكتب..

««««««««««««««««««««««

النَّفَقُ

ــــــــــــــــــــــــ


حينَ خَطَا داخِلَهُ، لَمْ يَكُنْ يَدْرِي أَكانَ يَسِيرُ إِلَى الأَمَامِ... أَمْ يُدْفَعُ إِلَى الوَرَاءِ.

كَانَ النَّفَقُ مُظلِمًا، كَثِيفَ العَتْمَةِ، كَأَنَّهُ شُقَّ فِي خَاصِرَةِ الزَّمَنِ، لا بَدَايَةَ لَهُ، وَلا نِهَايَةَ، سِوَى خَطٍّ بَاهِتٍ يَتَلَاشَى خَلْفَهُ.


كُلُّ شِبْرٍ كَانَ مَأهُولًا بِالمَوتِ؛

جُثَثٌ مَرْمِيَّةٌ بِلَا أَسْمَاء، بَعضُهَا مُتَحَلِّلٌ، وَبَعضُهَا مَا زَالَ يَحتَفِظُ بِعَينَيهِ مَفْتُوحَتَينِ كَأَنَّهَا تَنتَظِرُ شَيئًا،

وَكَانَ يُخَيَّلُ إِلَيهِ أَحْيَانًا أَنَّ أَحَدَهَا يُشْبِهُهُ، أَو أَنَّ قَلبًا مِنهَا مَا زَالَ يَنبِضُ بِالخُذلَانِ.


الأَرضُ مَزْرُوعَةٌ بِأَلغَامٍ؛

لَمْ يَكُنْ يَرَاهَا، وَلَكِنَّهُ يَشْعُرُ بِهَا تَحتَ قَدَمَيهِ، كَأَنَّ الخَطَأَ لَيسَ فِي أَنْ تَطَأَهَا، بَلْ فِي أَنْ تَتَرَدَّدَ.

أَخَدَ يَمشِي بِحَذَرٍ مَن يَعرِفُ أَنَّ السُّؤَالَ قَد يُفَجِّرُهُ، وَأَنَّ التَّرَدُّدَ قَدْ يَقتُلُهُ قَبلَ الإِنفِجَارِ.


الخَفَافِيشُ تَصرُخُ فِي أُذُنَيهِ،

صَوتُهَا لَا يُحتَمَلُ، لَا يُفهَمُ، وَلَكِنَّهُ يُوقِظُ الذِّكرَيَاتِ الَّتِي نَامَتْ يَومًا فِي زَاوِيَةِ عَقلِهِ،

يُشْبِهُ نُوَاحَ الضَّمِيرِ حِينَ يَشتَدُّ عَلَيهِ اللَّيلُ.


أَمَّا البُومُ، فَقَد مَلَأَت سَقْفَ النَّفَقِ،

عَينَاهَا تَنفُذُ فِيهِ كُلَّمَا رَفَعَ بَصَرَهُ؛

نَظَرَاتٌ لَا تُبَشِّرُ بِمَوتٍ، بَلْ تُحَاسِبُ عَلَيهِ.


كُلُّ شَيءٍ فِيهِ يُشْبِهُ القِيَامَةَ،

وَلَكِنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَمشِي نَحوَ الحِسَابِ، بَلْ فِيهِ.

وَكُلَّمَا تَوَغَّلَ، خُيِّلَ لَهُ أَنَّ النَّفَقَ لَا يُفضِي إِلَى نِهَايَة،

بَلْ هُوَ الإِنسَانُ نَفسُهُ، حِينَ يَسِيرُ فِي دَاخِلِهِ وَلَا يَجرُؤُ عَلَى العَودَةِ.


كَانَ يُدرِكُ أَنَّهُ لَنْ يَخرُجَ كَمَا دَخَلَ. 

في قَلْبِهِ ارْتَعَدَتِ الأَسْئِلَةُ، وَلَكِنَّهُ واصَلَ.

لَمْ يَكُنْ يَبْحَثُ عَنِ النُّورِ، بَلْ عَنْ نَفْسِهِ الَّتي ضَاعَتْ هُناكَ، بَيْنَ أَوْلِ جُثَّةٍ وَآخِرِ لَغْمٍ...

.

.

.

عادل_أبوالعز_الرحبي

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

أمومة .. فتيحة بن كتيلة .. الجزائر.

شهادةٌ

رعب